يوم القيامة: الخروج

البعث والخروج، كلمتان متشابهتان جداً، وتكاد تكون معانيهما واحدة. وبعد البعث يكون الخروج، هذا هو موضوعنا اليوم.

قدمنا في كلمة سابقة معنى البعث، أما الخروج فهو نقيض الدخول، وهو النفاذ عن الشيء، ويأتي الخروج بعد البعث، أي بعد أن تنفخ الروح في الجسد، ينفتح القبر أو يتشقق فيخرج منه الحي، وهذا هو الخروج من الأجداث، إلا أن تشقق الأرض قد يكون بفعل الحي المدفون فيها، كما جاء في قوله تعالى: (وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء) [البقرة: من ] إذ يفهم منها أن التشقق ليس فعل الحجارة وإنما هو فعل الماء أو قوة دفعه، ويمكن أن يفهم منها أن التشقق يعود للأرض دون دفع من الحي المدفون فيها كما يفهم من قوله تعالى: (يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) [ق: 42-44] قال الطبري في تفسيره: (تصدّع الأرض عنهم) وفي هذه الحالة يخرجون من الأجداث بعد أن تتشقق الأرض.

وقد وردت الأجداث في القرآن الكريم ثلاث مرات، وكلها في البعث يوم القيامة، أما باقي ما ورد فيما يماثلها فقد ورد فيه القبر، فقط وليس الأجداث، وأجداث جمع جدَث، وهو القبر وهو من لغة هذيل كما جاء في لغات القبائل لابن سلام، وللقبر عدة أسماء في العربية تفوق العشرين اسماً، منها الضريح وهو القبر الذي لا لحد فيه، ومنها اللحد وهو الشق في الجانب، ومنها الرمس وهو القبر الذي يسوى ترابه ويضيع أثره، ومنها الرّجَم وهو القبر الذي توضع عليه حجارة وغيرها من الأسماء:

قال تعالى:

(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) [يس: 51]

(خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ) [القمر: 7]

(يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) [المعارج: 7]

وفرق بعض المعاصرين بين الجدث والقبر بأن كلمة جدث قريبة من الجدثة وهي صوت الحافر والخف وكذلك صوت مضغ اللحم، وأن الأموات عندما يخرجون مسرعين من قبورهم فإنهم يصدرون مثل هذا الصوت، وكذلك لأنهم لحم ممضوغ في القبر. ولا أظن هذا التفريق قريباً، لأن الجدث هو اسم للمكان الذي يخرج منه الميت ولا علاقة له ولا تأثير بالصوت الذي يخرجه الميت بعد خروجه من هذا المكان ليوصف به، وإلا لكان جادث، واستخدام الأجداث في الآيات الثلاث وفي نفس الموقف أو الموضع يفهم منها أن الأجداث هي القبور التي يخرج منها الناس سواء أكانت مفتوحة أو مشققة، فهي قبور لهم عندما كانوا أمواتاً فيها، وهي أجداث وهم يخرجون منها، والله تعالى أعلم.

وصور الخروج عديدة منها ما يتعلق بالناس عامة ومنها ما يتعلق بالكفار:

بعد دخول الأرواح في أجسادها تتشقق الأرض (يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا) [ق: من 44] وهذه الصورة الأولى: تشقق الأرض والسرعة في الخروج، ولتتصور حالتك وأنت ميت ثم تصحو في ظلمة القبر، ما هو أول عمل ستقوم به؟ التحرك بالسرعة القصوى للخروج مع الرعب والخوف.

(فَإِذَا هُم مِّنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) [يس: من 51] والنسل هو الإسراع في المشي مع الانسياب، والعرب تسمي مشية الذئب النسلان إذا أسرع. فهم ينسابون بسرعة فائقة كسرعة الذئب ليلاقوا مصيرهم الذي كذبوا به في الدنيا، وهاهم يرونه الآن حقيقة أمامهم.

(كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) [المعارج: من 43] فهم يسرعون متسابقين بعد خروجهم من القبور كما يتسابقون إلى نصب نصبوه ليعبدوه من دون الله، وجاء في بعض التفاسير أنهم كانوا يستهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام فيقولون: سنسبقكم إلى دخول الجنة.

قال تعالى: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ) [القمر: من 7] وتصور كثرة الجراد وانتشاره في هذه الصورة البديعة، قال ابن عاشور: (تَشْبِيهُهُمْ بِالْجَرَادِ الْمُنْتَشِرِ فِي الاكْتِظَاظِ وَاسْتِتَارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يُفِيدُهُ التَّشْبِيهُ مِنَ الْكَثْرَةِ وَالتَّحَرُّكِ) .

أما ما هي أحوال الناس في تلك اللحظات وما هي حالات بعثهم؟ فهذا ما سنتحدث عنه لاحقاً إن يسر المولى عز وجل.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.