يوم القيامة: أرض المحشر

ورد في بعض الأدلة أن أرض المحشر هي الشام، وأن الناس يحشرون فيها، فقد جاء في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي والحاكم: (تُحْشَرُونَ هَاهُنَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ الشَّامِ مُشَاةً وَرُكْبَانًا . . الحديث) وورد كذلك أن ثمة ناراً تحشر الناس إلى الشام، وهنا لزم التفريق.

قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ رَاهِبِينً، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ، حَيْثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا) [مسلم والنسائي والحاكم]

وعن عبد الله بن عَمرو ابن العاص، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (تُبْعَثُ نَارٌ عَلَى أَهْلِ المَشْرِقِ فَتَحْشُرُهُمْ إِلَى المَغْرِبِ، فَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، يَكُونُ لَهَا مَا سَقَطَ مِنْهُمْ وتَخَلَّفَ، تَسُوقُهُمْ سَوْقَ الجَمَلِ الكَسِيرِ) [الطبراني والحاكم]

وهذه الأحاديث لا تدل على أن هذا الحشر هو الحشر للموقف الذي ذكره الله في القرآن والذي يحصل بعد أن يُبعث الناس من قبورهم، لأن في هذا الحشر ركوباً وهجرة وبيعاً وشراء ومبيتًا وصباحاً ومساء وكل هذه من أحوال الدنيا. وواضح من الأحاديث أنها تتكلم عن الدنيا وليس الآخرة.

وهذا ما ذهب إليه العلماء، إلا ما مال إليه الحليمي وجزم به الغزالي أنه حشر بعد البعث. وقد ذكر القرطبي في التذكرة أن الحشر على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة، أما اللذان في الدنيا فحشر بني النضير، وهذا الحشر إلى أرض الشام وهو حشر النار، وقاله القاضي عياض، وأما اللذان في الآخرة فالحشر بعد البعث، والحشر إلى النار وإلى الجنة.

وقال النووي في شرح مسلم: (قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذَا الْحَشْرُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا قُبَيْلَ الْقِيَامَةِ وَقُبَيْلَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى الله عليه وسلم النَّارُ تَبِيتُ مَعَهُمْ وَتَقِيلُ وَتُصْبِحُ وَتُمْسِي وَهَذَا آخِرُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ)

وقد فصل ابن كثير فقال: (فَهَذِهِ السِّيَاقَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَشْرَ هُوَ حَشْرُ الْمَوْجُودِينَ فِي آخِرِ الدنيِا، مِنْ أقطار محلة الحشر، وَهِيَ أَرْضُ الشَّامِ، وَأَنَّهُمْ يَكُونُونَ عَلَى أَصْنَافٍ ثلاثة، فقسم يحشرون طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ، وَقِسْمٍ يَمْشُونَ تَارَةً وَيَرْكَبُونَ أُخْرَى، وَهُمْ يَعْتَقِبُوَنَ عَلَى الْبَعِيرِ الْوَاحِدِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاثَةٌ على بعير، وعشرة على بعير، يعني يعتقبونه من قلة الظهر، كما تقدم، كما جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ، فَتُحِيطُ بِالنَّاسِ مِنْ وَرَائِهِمْ تَسُوقُهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ، وَمَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ أكلته النار، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا في آخر الدنيا، حيث الأكل والشرب، والركوب على الظهر المستوي وغيره، وحيث يهلك المتخلفون منهم بالنار، وَلَوْ كَانَ هَذَا بَعْدَ نَفْخَةِ الْبَعْثِ، لَمْ يبق موت ولا ظهر يسري، وَلا أَكْلٌ وَلا شُرْبٌ، وَلا لُبْسٌ فِي الْعَرَصَاتِ)

ومن النظر في الأدلة وأقوال سادتنا العلماء الذين يجمعون بين الأدلة ليفهموا المراد منها، ولا يقتطعوها اقتطاعاً لأن هذا من الجهل والتدليس والافتراء في الدين، أقول مما تقدم يتبين لنا كما قال العلماء، أن الحشر الوارد عن النار وأرض الشام هو حشر في الدنيا قبل قيام الساعة أي في أرضنا هذه التي نعيش عليها الآن، وليس الحشر الذي يكون في الموقف للحساب والجزاء كما سيتبين معنا إن شاء الله تعالى.

ولا بد أن ننبه على أن الحشر من بعد البعث في القبور يكون في الدنيا أيضاً، أي في أرضنا هذه التي نعيش عليها وقد ذكرنا في الكلمات السابقة كل ما يتعلق بهذا الأمر، ولكن بعد أن يُبعث الخلق من قبورهم وتجتمع الخلائق على هذه الأرض، وهذا يختلف عن الحشر الذي تسبقه النار، ففي هذا الحشر يتوجهون إلى المحشر وينتقلون إلى الأرض الجديدة. وفي ذاك الحشر يحصل موت وهذا يناقض الحشر بعد البعث.

أما أين يتجمعون في أرضنا هذه؟ فإن من ظاهر الروايات ومما ذكره العلماء فإن التجمع يكون في أرض الشام لما ورد من أدلة ومنها حديث سمرة بن جندب عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الطبراني والبزار]

ولنبسط الصورة فنقول:

بعد البعث يخرج الناس من قبورهم متوجهين معاً إلى حيث يدعوهم الداعي وتسوقهم الملائكة، ولنصطلح على هذه الصورة بالحشر. ولنصطلح على الأرض التي سيتجمعون فيها بأرض المحشر وهي الشام. وهذا يكون في الدنيا أي على أرضنا هذه.

بعد تجمعهم في أرض المحشر، ينتقلون إلى أرض أخرى ولنصطلح عليها بأرض الموقف تفريقاً عن أرض المحشر كما اصطلح عليها علماؤنا، وأرض الموقف ليست في الدنيا وبالتالي ليست أرضنا هذه التي نعرفها.

وبهذا تتضح الصورة إن شاء الله تعالى:

بعث من الأرض الدنيوية

حشر في الأرض الدنيوية (الشام)

انتقال من الأرض الدنيوية إلى الأرض الأخروية.

وقوف في الأرض الأخروية للحساب ثم للجزاء.

دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وانتهاء يوم القيامة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.