يوم القيامة: وقفة في أرض الموقف

قبل أن نشرع في الحديث عن أحوال وأهوال الموقف، أود أن أبين أمراً يتعلق بتفكير ونفسيات الموقوفين حينئذ، والناس في ذلك على قسمين:

القسم الأول وهم المؤمنون، سواء أكانوا عاصين أم صالحين، ولكنهم مؤمنون بالبعث والحشر والموقف والحساب وكل أحداث يوم القيامة، فهؤلاء أقروا بالآخرة واستعدوا لها، وصار علم اليقين عندهم عينه، فهم سواء في الإيمان، على اختلافٍ في أحوالهم، فمنهم من أطاع الله واتقاه، ومنهم من عصاه، ولكنهم كلهم يخافون هذا اليوم ويرجون رحمة الله تعالى وشفاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم،. وهؤلاء إذا رأوا الأحداث ووقفوا في أرض الموقف ينتظرون الحساب، فإن منهم من يرجو الرحمة وهو نادم، ومنهم من يرجو الشفاعة وهو خائف، ومنهم من يحسن الظن بالله تعالى لأنه يقر بذنوبه التي فعلها في الدنيا، وتوحيد هؤلاء لله تعالى، وإيمانهم به، وإسلامهم له، جعل نفسياتهم مغايرة لأهل القسم الثاني كل المغايرة.

جاء في النهاية لابن كثير مما رواه ابن أبي الدنيا أَنَّ شَيْخًا مِنْ شُيُوخِ الْجَاهِلِيَّةِ الْقُسَاةِ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ: ثَلاثٌ بَلَغَنِي، أَنَّكَ تَقُولُهُنَّ: لا يَنْبَغِي لِذِي عَقْلٍ أَنْ يُصَدِّقَكَ فِيهِنَّ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَارِكَةٌ مَا كانتَ تعبد هي وآباؤها، وأنا نظهر على كنوز كسرى وقيصر، ولنموتن ولنبعثن؟ فقال له الرسول عليه السلام: ثُمَّ لآخُذَنَّ بِيَدِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلأذَكِّرَنَّكَ مَقَالَتَكَ هَذِهِ. قَالَ: وَلا تَضِلُّنِي فِي الْمَوْتَى؟ وَلا تَنْسَانِي؟ قَالَ: وَلا أَضِلُّكَ فِي الْمَوْتَى، وَلا أنساك. فبقي الشَّيْخُ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورأى ظهور المسلمين على كِسْرَى وَقَيْصَرَ، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ، وَكَانَ كَثِيرًا ما يسمع عمر بن الخطاب يحييه فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لإعْظَامِهِ مَا كَانَ وَاجَهه بِهِ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عُمَرُ يأتيه وَيَقُولُ: قَدْ أَسْلَمْتَ وَوَعَدَكَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَأْخُذَ بِيَدِكَ، وَلا يَأْخُذُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ أَحَدٍ إِلا أَفْلَحَ وَسَعِدَ إِنْ شَاءَ اللهُ. جعلنا الله من الذين يأخذ سيدنا رسول الله بأيديهم في ذلك اليوم.

أما القسم الثاني فهم المنكرون، وهؤلاء المنكرون هم منكروا الدنيا وليس الآخرة، لأنهم في الآخرة لن يكونوا منكرين، بل سيظهرون على حقيقتهم وسيقرون بكل شيء، وسيتحولون إلى مؤمنين صالحين، وكيف لا وقد لامست الأدلة والحجج مسامعهم وتغلغت في قلوبهم، واقتنعوا بها ولكن كذبوا استكباراً وعناداً واتباعاً لسنن من قبلهم، كما سيتبين لنا في تفاصيل أحوالهم، ومصيبة هؤلاء هي في رؤية ما كانوا يكذبون به رأي العين، وتحرك هذا التكذيب في نفوسهم ليوقد فيها ناراً مشتعلة تزيد من خوفهم خوفاً ومن هلعهم هلعاً، وتضفي عليهم حالة سلم منها المؤمنون، وهي الخوف من المصير في النار لأنهم لا يملكون ما يقدمونه بين يدي الله تعالى، فلا توحيد ولا إيمان ولا عمل صالح، وهم في النهاية محرومون من الشفاعة والرحمة.

قال تعالى: (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [الأنعام: 27-32]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.