يوم القيامة: حرارة وطول انتظار

يجتمع على الخلائق في أرض الموقف أمران: حرارة وطول انتظار، حرارة تصل إلى درجة أن يغرق الواحد بعرقه إذ يأتي الله حينئذ بشمس تفوق حرارتها شمس الدنيا أضعافاً مضاعفة، إلا أنها لا تقتل الناس كشأن شمس الدنيا، وهذا من تغير الخلق في ذلك اليوم كما بيناه في كلمة (أين مقاييس الدنيا) ومع الحرارة طول انتظار حتى يمل الناس من طول الوقوف على اختلاف في أحوالهم.

عن سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمِقْدَادُ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ العِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قيدَ مِيلٍ أَوْ اثْنَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: لاَ أَدْرِي أَيَّ الْمِيلَيْنِ عَنَى؟ أَمَسَافَةُ الأَرْضِ، أَمُ الْمِيلُ الَّذِي يُكْحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ قَالَ: فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي العَرَقِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ: أَيْ يُلْجِمُهُ إِلجَامًا) [أحمد والترمذي وابن حبان]

وفي البخاري: (يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ)

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 6]. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ بِكُمْ إِذَا جَمَعَكُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا يُجْمَعُ النَّبْلُ فِي الْكِنَانَةِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ لا يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ؟» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ والحاكم]

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: (تُعْطِي الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَرَّ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ تُدْنَى مِنْ جَمَاجِمِ النَّاسِ حَتَّى تَكُونَ قَابَ قَوْسَيْنِ، فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَرْشَحَ الْعَرَقُ فِي الْأَرْضِ قَامَةً، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَتَّى يُغَرْغِرَ الرَّجُلُ قَالَ سَلْمَانُ: حَتَّى يَقُولَ الرَّجُلُ: غَرْ غَرْ) [الحاكم والمنذري، وقال ابن حجر في المطالب العالية: الحديث موقوف بهذا الوجه، ولكنه في حكم المرفوع لأنه أمر غيبي، لا يمكن أن يقال بالرأي ولا هو من الإِسرائيليات]

وجاء في التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن: (زاد ابن المبارك في زهده وليس على أحد يومئذ طحربة يعني خرقة ولا ترى فيه عورة مؤمن ولا مؤمنة، ولا يضر حرها يومئذ مؤمنًا ولا مؤمنة، وأما الآخرون أو قال: الكفار فتطبخهم، فإنما تقول أجوافهم: غِق غِق. وللبيهقي في بعثه من حديث أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا: إن الكافر ليلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذلك اليوم حتى يقول: يا رب أرحني ولو إلى النار.

وقال كعب: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) مقدار ثلاثمائة عام، وللحاكم بإسناد جيد عن عقبة مرفوعًا تدنو الشمس من الأرض، فيعرق الناس فمن الناس من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ وسط فيه -وأشار بيده فألجمها فاه- ومنهم من يغطيه عرقه. وضرب بيده إشارة فأمرَّ بيده فوق رأسه من غير أن يصيب الرأس دور راحلته يميناً وشمالاً) (وقال ابن برجان في إرشاده: وليس ببعيد أن يكون الناس كلهم في صعيد واحد وموقف سواء يشرب بعضهم الحوض دون غيره، وكذا حكم النور، والغرق يغرق في عرقه أو يبلغ منه ما شاء الله جزاء لسعيه في الدنيا، والآخر في ظل العرش كما في الدنيا، يمشي المؤمن بنور إيمانه في الناس بخلاف الكافر والمؤمن في الوقاية بخلافه، والمؤمن يروى ببرد اليقين والهداية بخلاف المبتدع، وكذلك الأعمى)

يقول القرطبي في التذكرة: (ظاهر ما رواه ابن المبارك عن سلمان أن الشمس لا يضر حرها مؤمن ولا مؤمنة العموم في المؤمنين وليس كذلك لحديث المقداد المذكور بعده، وإنما المراد لا يضر حرها مؤمناً كامل الإيمان أو من استظل بظل عرش الرحمن كما في الحديث الصحيح (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) الحديث رواه الأئمة مالك وغيره وسيأتي في الباب بعد هذا. وكذلك ما جاء أن المرء في ظل صدقته وكذلك الأعمال الصالحة أصحابها في ظلها إن شاء الله، وكل ذلك من ظل العرش والله أعلم. وأما غير هؤلاء فمتفاوتون في العرق على ما دل عليه حديث مسلم، قال ابن العربي: وكل واحد يقوم عرقه معه فيغرق فيه إلى أنصاف ساقيه وإلى جانبيه مثلاً يمنة من يبلغ كعيبه، ومن الجهة الشمال من يبلغ ركبتيه، ومن أمامه من يكون عرقه إلى نصفه، ومن خلفه من يبلغ العرق صدره، وهذا خلاف المعتاد في الدنيا فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض المعتدلة أخذهم الماء أخذاً واحداً ولا يتفاوتون، كما ذكرنا مع استواء الأرض ومجاورة المحل، وهذا من القدرة التي تخرق العادات في زمن الآيات) يشير بذلك إلى ما يسمى نظرية الأواني المستطرقة والتي لا وجود لها في الآخرة لانعدام مقاييس الدنيا في ذلك الوقت.

أما عن طول ذلك اليوم فلابن كثير قول في النهاية بأنه متفاوت كذلك بحسب حالة الخلق، فقد قال بتصرف: (ثُمَّ لا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلا عَلَى الَّذِي لا يُغْفَرُ لَهُ، فَأَمَّا مَنْ غُفِرَ له ذنبه من المؤمنين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَقَدْرِ ما بين الظهر إلى العصر) ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ. وقد روي مرفوعاً)

أجارنا الله وإياكم من حر ذلك اليوم وطول انتظاره.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.