يوم القيامة: البعث

البعث هو الإثارة والتوجيه، ولكي نفهم معنى كلمة البعث كما تواضع عليها العرب وكأننا نراها: فلنتصور ناقة عقلاء لا تستطيع الحركة، فحللنا عقالها، ما الذي سيحصل؟ إنها ستقوم سريعاً وتتحرك متوجة هنا وهناك، وكذلك لو كانت باركة بلا عقل وهجناها فإنها ستتحرك، أليس كذلك؟

هذا معنى كلمة بعث عند العرب: إثارة بارك أو قاعد، وتقول العرب بَعَثت الْبَعِير فانبعث إِذا حللت عِقَاله، وأرسلته لَو كَانَ باركاً فأثرته. جاء في الحديث الذي رواه البخاري قول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (فبعثنا البعير الذي كنت عليه فإذا العقد تحته) وتأتي كذلك بمعنى الإرسال. وقد اعتبرها ابن فارس أصلاً واحداً: أي اعتبر الإثارة هي التوجيه والإرسال، فتثير البعير فيتحرك، وتثير الرجل فتبعثه رسولاً، وكأن معنى كلمة بعث أي أرسل هو أنك تريد إرسال واحد من الجالسين حولك في أمر، فتثيره ليقوم ويذهب بما أرسلته به. [تهذيب اللغة للأزهري، مقاييس اللغة لابن فارس، تاج العروس للزبيدي، المفردات للراغب الأصفهاني]

هذا الجسد الميت الذي لا حياة فيه، ماذا لو نُفخت فيه الروح؟ إنه سيتحول إلى جسد حي، وسيقوم ويتحرك، هذا هو معنى كلمة البعث أيها الكرام.

ومن أعظم ما ارتكبه الإنسان من جرم في هذه الحياة الدنيا هو إنكار البعث أو الاستهزاء به:

قال الله تعالى في الحديث القدسي: (كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، أن يقول: إني لن أعيده كما بدأته، وأما شتمه إياي أن يقول: اتخذ الله ولداً، وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد) [البخاري والنسائي وابن حبان]

سبحانه وتعالى؛ هو الحليم الحكيم الغفور الرحيم بعباده، وهو القائل: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) [فاطر: 45] .

لقد نعى الله في كتابه الكريم على كل من أنكر البعث وأوغل في معاداة خالقه، فيسرح في الدنيا ويمرح: كافراً هنا، وفاسقاً هناك، ومستهزءاً، ومفترياً:

(وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) [المؤمنون: 34-37] (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ) [الرعد: 5]

ألم تروا أيها الإخوة والأخوات أن الله تعالى أمر رسوله محمداً عليه وآله الصلاة والسلام أن يقسم بربه على ثلاثة أمور تتعلق بيوم القيامة:

الساعة: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [سبأ: 3]

البعث: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ) [التغابن: 7]

العذاب: (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ) [يونس: 53]

قال ابن عبد البر في التمهيد: (وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ، فَلا إِيمَانَ لَهُ وَلا شَهَادَةَ وَفِي ذلك ما يغنى وَيَكْفِي. مَعَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ تَأْكِيدِ الإقْرَارِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلا وَجْهَ لِلإنْكَارِ فِي ذَلِكَ)

أما من ينكر البعث مستنداً إلى الإلحاد أو الفلسفة أو التأثر بالطريقة العلمية في التفكير، فإن الرد عليه لا يكون بإثبات البعث في الآخرة، لأنه غيب، ولا بسرد ما ذكر في القرآن من بعث أحياء في الدنيا بعد الموت فذلك لا يجدي معه، لإن إنكار البعث يلزمه ذهنياً إنكار القرآن الكريم أنه من الله تعالى، ولكن الذي يجدي هو إثبات أصل الخلق وأن الله تعالى هو الخالق، لأن من يؤمن بالخلق سيؤمن بالبعث، فإذا آمن الإنسان بأن الله هو الذي خلق من عدم، أدرك بإيمانه هذا أن البعث أمر متحقق ما دام الخالق قد أخبر عنه، لأنه لا فرق حينئذ بين الخلق والبعث، بل إن البعث أسهل إن صح التعبير.

وإن لم تكن ملزماً بتلاوة القرآن عليه لإنكاره إياه ابتداء، فلا بأس أن تتعلم من القرآن طريقة العقل في الإدراك وإثبات الوجود ونفي العدم.

قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: 77-79] فمن آمن بأول مرة يؤمن بالثانية.

وكذلك إن ارتقى المنكِر بتجرده وتفكيره إلى بحث الأصعب والأيسر لأدرك من خلق السماوات والأرض أن الله قادر على أن يفعل ما يشاء، والبعث مما يشاء سبحانه.

وبنفس الطريقة في الفهم والاستدلال والاستفادة؛ قال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [غافر: 57]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.