يوم القيامة: صاحب الغلول وفضيحته في الموقف

أصل غل هو دخول شيء في شيء وثباته فيه، والعرب تقول: غَلَلْتُ الشَّيء في الشّيء، إذا أثبتَّه فيه، كأنك غَرزْتَه، وللكلمة معاني عدة منها الإغلال وهي الخيانة، والغِل وهو البغض والعداوة، والمعنى المقصود هنا هو الخيانة في المغنم أي أخذ ما لا يستحقه من مال الغنيمة على وجه الخفية والطمع وقد يتجاوز إلى غير المغنم كما سيأتي.

قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [آل عمران: 161] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ افْتُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الآية) [الترمذي والطبراني] وجاء في الموطأ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: (أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلاَّ أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبُ)

ومن عجائب يوم القيامة أن من يغل يأت بما غل يوم القيامة يحمله على ظهره، فيراه الناس ويعرف كما يعرف صاحب الغدر كما بينا في الكلمة السابقة والعياذ بالله تعالى.

جاء في الموطأ وغيره (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْجِعِرَّانَةَ سَأَلَهُ النَّاسُ [اقْسِمْ عَلَيْنَا فَيْئَنَا] حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي، أَتَخَافُونَ أَنْ لا أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ سَمُرِ تِهَامَةَ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلا جَبَانًا وَلا كَذَّابًا فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْ الأرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ وَلا مِثْلُ هَذِهِ إِلا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ) [سمر تهامة: يقصد به شجر السمر، وانظر إلى خطورة الأمر في قوله عليه الصلاة والسلام: أدو الخياط والمخيط، والخياط الخيط الذي يخاط به والمخيط هو الإبرة]

وفي البخاري وغيره: (قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ الغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، قَالَ: لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ، أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لاَ أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) [الصامت هو الذهب والفضة]

ولا يقتصر الأمر على الغلول في الغنيمة بل إن كل من ولي من أمور الناس فأخذ ما لا يستحقه جاء به، وما أكثرهم في زمننا هذا.

جاء عند أحمد ومسلم: (مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا، فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)

وفي حاشية البيجرمي: (بِضَمِّ الْغَيْنِ وَاللامِ أَصْلُهُ الْخِيَانَةُ لَكِنَّهُ شَاعَ فِي الْغُلُولِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا أَهْدَى الْعَامِلُ لِلإمَامِ أَوْ نَائِبِهِ شَيْئًا فَقَبِلَهُ فَهُوَ خِيَانَةٌ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلا يَخْتَصُّ بِهِ دُونَهُمْ وَرَوَى أَبُو يَعْلَى «هَدَايَا الْعُمَّالِ حَرَامٌ كُلُّهَا» قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّالِ تُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّ الْعَامِلَ لا يَمْلِكُهَا إلا إنْ طَلَبَهَا لَهُ الإمَامُ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ فِي الْمُهَذَّبِ رَدَّ هَدِيَّةِ مَنْ كَانَ مَالُهُ حَرَامًا أَوْ عُرِفَ بِالظُّلْمِ وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ اشْتَهَى تُفَّاحًا وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ فَرَكِبَ فَتَلَقَّاهُ غِلْمَانُ الدَّيْرِ بِأَطْبَاقِ تُفَّاحٍ فَتَنَاوَلَ وَاحِدَةً فَشَمَّهَا ثُمَّ رَدَّهَا فَقِيلَ لَهُ أَلَمْ يَكُنْ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلِيفَتُهُ يَقْبَلُونَ الْهَدِيَّةَ فَقَالَ: إنَّهَا لأولَئِكَ هَدِيَّةٌ وَهِيَ لِلْعُمَّالِ بَعْدَهُمْ رِشْوَةٌ)

وفي البخاري ومسلم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام خطب فقال: (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلانِي اللهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا، وَاللهِ لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلأعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ)

ومن أعظم الغلول الأرض، ففي الحديث الذي جاء عند أحمد والطبراني: (أَعْظَمُ الْغُلُولِ عِنْدَ اللهِ ذِرَاعٌ مِنَ الأرْضِ، تَجِدُونَ الرَّجُلَيْنِ جَارَيْنِ فِي الأرْضِ أَوْ فِي الدَّارِ، فَيَقْتَطِعُ أَحَدُهُمَا مِنْ حَظِّ صَاحِبِهِ ذِرَاعًا، فَإِذَا اقْتَطَعَهُ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)

وفي الطبراني: (مَنْ أَخَذَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شِبْرًا جَاءَ بِهِ يَحْمِلُهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) [فيه محمد بن عقبة، وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم، وللحديث شواهد صحيحة كما سيأتي] فعند الشيخين: (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بن عبد الرحمن كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)

ونصيحتي إلى كل من له علاقة بأموال الناس، وإلى كل من هو مسئول عنهم، أن يضع قاعدة (أفلا جلس في بيت أبيه وأمه) نصب عينيه ويسأل نفسه: إذا تركت عملي ومسئوليتي وجلست في بيت أبي وأمي، هل تأتيني الهدايا، فإن كان الجواب لا، فإن عليه أن ينتبه لنفسه، كي لا يحمل تلك الهدايا على ظهره في ذلك الموقف العظيم ويكون مفضوحاً بين الخلائق، غفر الله لنا وإياكم جميعاً.

ومن ارتكب شيئاً من ذلك فليرده ولا يخش العار فإن النار أشد منه كما قال سيدنا الإمام الحسن رضي الله عنه بسند صحيح: (العار خير من النار) [فتح الباري والاستيعاب لابن عبد البر] وليس كما يقول بعض الناس (النار ولا العار) قال ملا علي القاري: (وأما قول بعض العامة النار ولا العار فهو من كلام الكفار. إلا أن يراد بها نار الدنيا على المبالغة، وإلا فقد ورد فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة) [كشف الخفاء للعجلوني]

جاء في آخر خطبة خطبها سيدنا الرسول عليه وآله أفضل الصلاة والسلام: (أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَرُدَّهُ، وَلا يَقُولُ: فُضُوحُ الدُّنْيَا، أَلا وَإِنَّ فُضُوحَ الدُّنْيَا خَيْرٌ مِنْ فُضُوحِ الآخِرَةِ) [الطبراني وأبو يعلى، قال الهيثمي في مجمعه: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالأوْسَطِ، وَأَبُو يَعْلَى بِنَحْوِهِ، وَفِي إِسْنَادِ أَبِي يَعْلَى عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِ أَبِي يَعْلَى ثِقَاتٌ، وَفِي إِسْنَادِ الطَّبَرَانِيِّ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُمْ]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.