يوم القيامة: حكام وأغلال في الموقف


قيل: لو علم الظالم ماذا أُعد للمظلوم لضن عليه بالظلم. والصحيح أن الظالم يعلم ولكنه تغاضى عن علمه لأنه عشق الظلم ورأى لذته ومنفعته في الدنيا فطغت نفسه فظلم، ولو أن كل من علم عمل لما ظَلم أحد.

قال الشاعر:

يا ظالماً جار فيمن لا نصير له … إلا المهيمنُ لا تغترّ بالمهل

غداً تموت ويقضي الله بينكما … بحكمه الحقّ لا بالزّيغ والميل

ولو علم الحاكم أنه يأتي يوم القيامة في الموقف والأغلال في عنقه، فيلتفت يمنة ويسرة عسى أن يجد من يفك هذه الأغلال فلا يجد إلا عدله ورعيته، هم الذين يفكون أغلاله، لو عمل بما علم لعدل أو عدل: لعدل في حكمه، أو عدل عن أخذ الحكم ابتداء. أجارنا الله وإياكم من الظلم.

الأغلال هي القيود التي توثق اليدين وتربطهما بالعنق، قال الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ) [يس: 9] وتأتي الأغلال بمعنى التكاليف الشاقة كما جاء في قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [آل عمران: من 157]

أما الحكام فإنهم يأتون بالأغلال مقيدين بها، ولن يفكهم يومئذ إلا رعيتهم، وذلك بعدلهم وإلا فإن أغلالهم تزيد وعذابهم بانتظارهم، ولا يخفى على الجميع ما على الحاكم من مسئولية، ولا يخفى أيضاً أهمية هذه المسئولية لأهميته في تطبيق الشرع وإيجاد العدل والدفاع عن حياض الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إِنَّمَا الإمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ، كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ) [مسلم وغيره، قال البغوي في شرح السنة: قيل: أَرَادَ فِي الْقِتَالِ يَتَّقِي بِهِ الْقَوْمُ كَمَا يَتَّقِي الْمُتَتَرِّسُ بِالتُّرْسِ، قِيلَ: لأَنَّهُ يَقِي الْقَوْمَ مِمَّا يُؤَدِّيهِمْ إِلَى النَّارِ، كَمَا يَقِي التُّرْسُ صَاحِبَهُ مِنْ وَقْعِ السِّلاحِ] وعلى عكس من سيأتي ذكرهم في كلمة اليوم، فإن للإمام العادل في الموقف فضلاً وهو من السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولاً، لا يَفُكُّهُ إِلا الْعَدْلُ، أَوْ يُوبِقُهُ الْجَوْرُ) [أحمد والبيهقي] وروى الحاكم في مستدركه ووافقه الذهبي عن الرسول الكريم أنه قال: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُؤَمَّرُ عَلَى عَشَرَةٍ فَصَاعِدًا لا يُقْسِطُ فِيهِمْ إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الأصْفَادِ وَالأغْلالِ) .

وعن ابن عباس: قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (مَا مِنْ رَجُلٍ وَلِيَ عَشَرَةً إِلا أُتِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةً يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ) [الطبراني في الكبير والمنذري في الترغيب والترهيب] فكيف بمن يلي المئات والآلاف والملايين؟

وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلا أَتَى اللهَ مَغْلُولاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْثَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَة) [أحمد والطبراني]

قال النووي في المنهاج في شرح حديث التحذير من الإمارة: (هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي اجْتِنَابِ الْوِلايَاتِ لا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ تِلْكَ الْوِلايَةِ وَأَمَّا الْخِزْيُ والندامة فهو في حَقُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً لَهَا أَوْ كَانَ أَهْلاً وَلَمْ يَعْدِلْ فِيهَا فَيُخْزِيهِ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَفْضَحُهُ وَيَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلاً لِلْوِلايَةِ وَعَدَلَ فِيهَا فَلَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ تَظَاهَرَتْ بِهِ الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَحَدِيثِ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ وَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هُنَا عَقِبَ هَذَا أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فَلِكَثْرَةِ الْخَطَرِ فِيهَا حَذَّرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا وَكَذَا حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ وَامْتَنَعَ مِنْهَا خَلائِقُ مِنَ السَّلَفِ وَصَبَرُوا عَلَى الأذَى حِينَ امْتَنَعُوا)

وقد عبر الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم تعبيراً جميلاً جامعاً مانعاً فيما رواه البخاري وغيره: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ) قال ابن حجر في الفتح: (قال الداودي: نعم المرضعة أي في الدنيا وبئست الفاطمة أي بعد الموت لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك فهو كالذي يفطم قبل أن يستغني فيكون في ذلك هلاكه وقال غيره نعم المرضعة لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال حصولها وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما يترتب عليها من التبعات في الآخرة) .

وقال المناوي في الفيض: (فنعمت الإمارة المرضعة أي في الدنيا فإنها تدل على المنافع واللذات العاجلة وبئست الإمارة الفاطمة عند انفصاله عنها بموت أو غيره فإنها تقطع عنه تلك اللذائذ والمنافع وتبقى عليه الحسرة والتبعة فالمخصوص بالمدح والذم محذوف وهو الإمارة، ضرب المرضعة مثلاً للإمارة الموصلة صاحبها من المنافع العاجلة، والفاطمة وهي التي انقطع لبنها مثلاً لمفارقتها عنها بانعزال أو موت والقصد ذم الحرص عليها وكراهة طلبها)

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.