لا كلام ولا نظر ولا تزكية: تمهيد

قد يقف الإنسان متهَماً ينتظر الحكم في قضيته، أو مجرماً ينتظر تنفيذ العقوبة، أو بريئاً في محاكمة ظالمة لا يدري ما هو مصيره، كل هذه الحالات موجودة وتتكرر في الدنيا، وتصاحب كل حالة من هذه الحالات أجواء نفسية صعبة.

أن تقف في موقف لا تعرف آخرته، ولا تدري ما هو مصيرك فيه ليس أمراً هيناً، وتبدأ الذاكرة باسترجاع كل شيء، عسى أن يكون في هذا الاسترجاع ما هو مفيد، ما ينقذ صاحبه في هذا الموقف، بل إنه يبحث عن كل ما يطيل ويؤخر عسى أن يحصل أي تغيير. وهو في هذا الجو المرعب يراقب القاضي لعله ينظر إليه، أو يبتسم، أو يكلمه بعطف، ليفسر كل هذه الحركات لصالحه: لقد ابتسم القاضي، لقد نظر إلي، لقد كلمني، لعل هذا في صالحي.

هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالموقف مشابه إلى حد ما، ولكنه مختلف إلى حد كبير، فالقاضي يومئذ هو الحق مالك يوم الدين سبحانه وتعالى، فلا ظلم، ولا إجحاف ولا إهمال للشهود ولا نسيان، بل كل شيء مسجل وموثق ودقيق: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: 49] وإن نسي صاحب الموقف فإن الله جل وعلا لا ينسى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة: 6] ولا حاجة لذاكرة الاسترجاع، ولا حاجة لأن يقول: عملت ولم أعمل. فهو ليس في أروقة محاكم الدنيا وتعقيداتها، بل في محكمة الآخرة، وسيجد كل شيء أمامه حاضراً: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَالله رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 30]

ولن يستطيع أن يشكك في القاضي ولا في دقة الموازين: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47] ولا أن يشكك في الشهود لأنهم حينئذ من نفسه: لسانه ويده ورجله وجلده: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس: 65] (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا الله الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [فصلت: 21] .

هنا يتمنى الرجوع ليبدأ حياة جديدة لا كفر فيها، ولا معصية، ولا استكباراً، فيتحول الواحد منهم إلى مسكين صالح ودود وكأنه لم يعص ربه قط: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) [السجدة: 12] ولكن هيهات، فقد قُضي الأمر ولا رجوع إلى الدنيا، لأن الكل قد أخذ فرصته فيها، واليوم يوم الحساب. وفوق ذلك فإن العليم بهم سبحانه وتعالى قد أخبرنا أنه لا فائدة منهم، ولو رجعوا إلى الدنيا لعادوا لما كانوا عليه: (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الأنعام: 27-28]

وما أصعب على المرء يومئذ من أن يهمله الله جل وعلا فلا يكلمه ولا ينظر إليه ولا يزكيه، فهذه من دونها خرط القتاد.

من لي بمن يجلس القرفصاء في آذانهم لعلهم يتعظون فيعملون ويستعدون لئلا يكونوا في هذا الموقف العصيب؟

والسؤال الآن: ما معنى: لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم؟

وردت هذه الجملة في الكتاب والسنة عن حالات من الخلق في الموقف، اتصفوا بصفات جعلتهم من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولنرى معنى الجملة قبل أن نشرع في ذكر حالات أشخاصها.

هذا ما سنتحدث عنه في الكلمة القادمة إن يسر المولى عز وجل.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.