لا كلام ولا تزكية: 1) الكاتمون بثمن

الصنف الأول هم الذين يكتمون ما أنزل الله تعالى مقابل أثمان قليلة أي يقبضون ثمن كتمانهم ولو حاولت فلن تتعب كثيراً في البحث عنهم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: 174]

والآية كما قال المفسرون نزلت في أهل الكتاب الذين كتموا صفات سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ قال الطبري: (أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك) وقال: (ابتاعوا بكتمانهم ما كتموا الناس من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوَّته ثمنًا قليلاً. وذلك أنّ الذي كانوا يُعطَوْن على تحريفهم كتابَ الله وتأويلهِمُوه على غير وجهه، وكتمانهم الحق في ذلك اليسيرَ من عرض الدنيا) وقال ابن عاشور: (وَهُوَ الْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنَ النَّاسِ جَزَاءً عَلَى إِفْتَائِهِمْ بِمَا يُلَائِمُ هَوَاهُمْ مُخَالِفًا لِشَرْعِهِمْ أَوْ عَلَى الْحُكْمِ بِذَلِكَ، فَالثَّمَنُ يُطْلَقُ عَلَى الرِّشْوَةِ لِأَنَّهَا ثَمَنٌ يُدْفَعُ عِوَضًا عَنْ جَوْرِ الْحَاكِمِ وَتَحْرِيفِ الْمُفْتِي) .

والآية عامة في كل من كتم ما أنزل الله من الكتاب مقابل ثمن، قال القرطبي: (وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَحبَارِ فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ كَتَمَ الْحَقَّ مُخْتَارًا لِذَلِكَ بِسَبَبِ دُنْيَا يُصِيبُهَا) وفي البحر المحيط: (وَإِنْ صَحَّ سَبَبُ نُزُولٍ، فَهِيَ عَامَّةٌ، وَالْحُكْمُ لِلْعُمُومِ. وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا، فَيَتَنَاوَلُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ كَتَمَ الْحَقَّ مُخْتَارًا لِذَلِكَ، لِسَبَبِ دُنْيَا يُصِيبُهَا) [البحر المحيط لأبي حيان]

قال الجصاص في أحكام القرآن بعد ذكر الآيات: (هَذِهِ الْآيُ كُلُّهَا مُوجِبَةٌ لِإِظْهَارِ عُلُومِ الدِّينِ وَتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ زَاجِرَةٌ عَنْ كِتْمَانِهَا وَمِنْ حَيْثُ دَلَّتْ عَلَى لُزُومِ بَيَانِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَهِيَ مُوجِبَةٌ أَيْضًا لِبَيَانِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ مِنْهُ وَتَرْكِ كِتْمَانِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى [يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى] وَذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى سَائِرِ أَحْكَامِ اللَّهِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَنْبَطِ لِشُمُولِ اسْمِ الْهُدَى لِلْجَمِيعِ، وقَوْله تَعَالَى [يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ أَوْ الدَّلِيلِ لِأَنَّ فِي الْكِتَابِ الدَّلَالَةَ عَلَى أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِيهِ النَّصُّ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ قوله تعالى [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ] عامٌّ فِي الْجَمِيعِ وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ مِنْ طُرُقِ إخْبَارِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ انْطَوَتْ تَحْتَ الْآيَةِ لِأَنَّ فِي الْكِتَابِ الدلالة على قبول أخبار الآحاد عنه صلّى الله عليه وسلم فَكُلُّ مَا اقْتَضَى الْكِتَابُ إيجَابَ حُكْمِهِ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ أَوْ الدَّلَالَةِ فَقَدْ تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَدَّثْتُكُمْ ثُمَّ تَلَا [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى] فَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله تَعَالَى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ] الْآيَةَ فَهَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِنَّ كِتْمَانَهُ هَلَكَةٌ وَنَظِيرُهُ فِي بَيَانِ الْعِلْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُ الْوَعِيدِ لِكَاتِمِهِ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) ولاحظ أنه رحمه الله بين أمرين مهمين؛ الأول أن الكتمان ليس للآيات فقط وإلا لقال قائل: آيات الله لا يمكن كتمانها وها هي المصاحف منتشرة بمئات الملايين بين المسلمين، بل بيّن أن الكتمان كذلك وارد على ما تدل عليه الآيات من أحكام وهذا بالطبع عمل العلماء الذين يستطيعون بما عندهم من آلة الاجتهاد أن يستنبطوا الأحكام من النصوص كما كان سادتنا الأئمة الذين ملكوا القدرة على النظر في النصوص واستخراج الأحكام منها فتركوا الأمة الإسلامية على الإسلام الحق، ولم تكن النصوص نهباً لمن هب ودب يأخذ منها ما يشاء ويترك ما يشاء ويفسر على هواه ما يشاء ممن يسمون شيوخ الإنترنت والفضائيات وغيرهم الذين أخذوا على عواتقهم ألا يبرحوا هذه الحياة إلا بعد أن ينشروا ديناً مسخاً بين المسلمين.

والأمر الثاني الذي بينه رحمه الله أن الآية تتضمن ما جاء به الرسول الكريم من سنة وليس الكتاب فقط، واربط هذا مع الموجة العنيفة التي تحارب السنة النبوية هذه الأيام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقال رداً على القول بأنها نزلت في اليهود بمعنى أنها خاصة بهم: (فَإِنْ قِيلَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْيَهُودِ حِينَ كَتَمُوا مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ نُزُولُ الْآيَةِ عَلَى سَبَبٍ غَيْر مَانِعٍ مِنْ اعْتِبَارِ عُمُومِهَا فِي سَائِرِ مَا انْتَظَمَتْهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا لِلَّفْظِ لَا لِلسَّبَبِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عِنْدَنَا عَلَى وُجُوبِ الِاقْتِصَارِ بِهِ عَلَى سَبَبِهِ وَيُحْتَجُّ بِهَذِهِ الْآيَاتِ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ الْمُقَصِّرَةِ عن مرتبة إيجاب العلم لِمَخْبَرِهَا فِي أُمُورِ الدِّينِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ] وقَوْله تَعَالَى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ] قد اقتضى النهى عن الكتمان ووقوع الْبَيَانُ بِالْإِظْهَارِ فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ السَّامِعِينَ قَبُولُهُ لَمَا كَانَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ مُبَيِّنًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ مَا لَا يُوجِبُ حُكْمًا فَغَيْرُ مَحْكُومٍ لَهُ بِالْبَيَانِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَنْهِيِّينَ عَنْ الْكِتْمَانِ مَتَى أَظْهَرُوا مَا كَتَمُوا وَأَخْبَرُوا بِهِ لَزِمَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى خَبَرِهِمْ وَمُوجَبِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي سِيَاقِ الْخِطَابِ [إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا] فَحَكَمَ بِوُقُوعِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ) [أحكام القرآن للجصاص، تحقيق القمحاوي، إحياء التراث]

فهؤلاء الذين يكتمون ما أنزله الله ليقبضوا ثمناً لكتمانهم يدخلون في الجزاء والوعيد والوصف السيء الواردين في الآية، فلا يكلمهم الله ولا يزكيهم، وهم عندما يأكلون بالكتمان أثمان الحياة الدنيا مهما تنوعت هذه الأثمان من نقود، وقصور، وبساتين، وسفر، وشهرة فإنما يأكلون في بطونهم ناراً والعياذ بالله.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.