لا كلام ولا نظر ولا تزكية: 2) المرتزقون بدين الله تعالى

أما الصنف الثاني فقد قال الله تعالى فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77]

قال الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين يستبدلون بتركهم عهد الله الذي عهد إليهم، ووصيته التي أوصاهم بها في الكتب التي أنزلها الله إلى أنبيائه، باتباع محمد وتصديقه والإقرار به وما جاء به من عند الله، وبأيمانهم الكاذبة التي يستحلون بها ما حرّم الله عليهم من أموال الناس التي ائتمنوا عليها ثمنًا، يعني عوضًا وبدلاً خسيسًا من عرض الدنيا وحُطامها أولئك لا خلاق لهم في الآخرة، يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حظ لهم في خيرات الآخرة، ولا نصيب لهم من نعيم الجنة وما أعدّ الله لأهلها فيها دون غيرهم)

جاءت هذه الآية الكريمة بعد قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 75- 76] وهي تمثل لنا صورتين: الأولى من تأمنه بقنطار فيؤده إليك بلا عناء ولا إبطاء، والقنطار هو ما كثر من المال، والقنطرة هي الجسر، وقيل أن القنطار هو المال الذي يجتاز به المرء الجسر إلى الغنى وعدم الاحتياج، قال الراغب: (القنطرة من المال مقدار تُعبر به الحياةُ تشبيهًا بالقنطرة) والصورة الثانية من تأمنه بدينار فلا يؤده إليك ويخون الأمانة، وهذا قد يكون أمراً عادياً رغم أنه من صفات المنافقين، وما أقصده أن خيانة الأمانة معصية وقد يقع فيها بعض الناس، ولكن مشكلة هذا الخائن أنه جعل خيانته شرعية، أي أضفى عليها لباس الدين وصبغة الإيمان والطاعة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي لا حرج علينا في أموال العرب إن أخذناها، ولذلك يقول الله تعالى: (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) وكما ذكرنا أقوال سادتنا العلماء في الكلمة السابقة فإن الآية تنطبق على كل من يفعل ذلك وليس على أهل الكتاب فحسب.

هؤلاء الذين يبتغون المال وعرض الحياة الدنيا ومتعها بدين الله عز وجل، فيجعلون الله تعالى بينهم وبين الآخرين ليستروا افتراءهم الكذب، وليظهروا أمام من يتلقى منهم بصورة حماة الدين وأتباعه ودعاته.

وهذا من أعظم الافتراء وأشد الدجل، أن يقتات الواحد منهم بدين الله تعالى، ويا ليته يعلم الناس الحق ويأخذ على ذلك أجراً، فهذه لها مبحث كبير عند سادتنا العلماء، ولكنه يعلم الناس الباطل وهو يلبسه بالحق، كالذي يحلف ويشهد الله على ما عنده ليأكل بذلك الحرام.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذًا يَحْلِفُ وَيَذْهَب بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} ] [صحيح البخاري وغيره] وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ. قَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ. وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ. وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ. قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) [مالك وأحمد وغيرهم، والأراك السواك المعروف]

وجاء بعد هذه الآية قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ الله وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 77] وهم بذلك لا يختلفون عن الصنف الأول الذين ذكرناهم في الكلمة السابقة، فما هو الفرق بين الفريقين؟

لاحظنا أنه مع التشابه بين الصنفين إلا أن الوعيد اختلف؛ فالله تعالى ذكر عدم النظر إلى هؤلاء بينما لم يذكره عن الصنف الأول فهؤلاء لا كلام ولا تزكية ولم يذكر النظر، والصنف الثاني لا كلام ولا نظر ولا تزكية، بالإضافة إلى اختلاف الوعيد بالعذاب، فما هو الفرق؟

بحثت جاهداً لأعرف الجواب، وأبهرني في بحثي قول جميل للخطيب الإسكافي عن كتاب الله تعالى يشفي غليل كل من يبحث عن الفروق والمرادفات، أو تعتريه الأسئلة والشبهات قائلاً: لم قال هنا كذا، وقال هناك ذاك؟ لم رفع الاسم هنا، ونصبه هناك؟ يقول رحمه الله: (إذا أورد الحكيم تقدست أسماؤه آية على لفظة مخصوصة ثم أعادها في موضع آخر من القرآن وقد غير فيها لفظة كما كانت عليه في الأولى، فلا بد من حكمة هناك تطلب، فإذا أدركتموها فقد ظفرتم، وإن لم تدركوها فليس لأنه لا حكمة هناك بل جهلتم) ولذلك فإننا إن عجزنا عن المعرفة فلنقر بعجزنا ولا ننسبه لكتاب الله تعالى والعياذ بالله. ولا عيب أن نعجز، ولكن العيب والبهتان أن نقول في كتاب الله تعالى ما لا نعلم.

أما عن الفرق بين الآيتين فيقول الخطيب الإسكافي: (للسائل أن يسأل فيقول: الإخبار في الموضعين عن أهل الكتاب الذين كتموا ذكر بعث النبي من كتابهم المنزل عليهم من التوراة والإنجيل، والتوعد في الموضعين مختلف، والكبيرة واحدة، فهل هناك معنى يوجب اختلاف الوعيد في المكانين؟ الجواب أن يقال: الوعيد في مكان من المكانين حسب ما ذكر من عظم الذنب وكبر الجرم، فقال في سورة البقرة: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً) فوصفهم بأنهم خالفوا الله في أمره ونقضوا ما قدم من عهده إليهم، حيث قال: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه..) فهؤلاء لم يبينوا وكتموا فخالفوا بارتكاب ما نهى الله عن ارتكابه وترك ما أمر الله بإتيانه ثم قال: (ويشترون به ثمناً قليلاً) أي نصيباً يسيراً من الدنيا، فجاء على هذا غلظ الوعيد، وهو قوله: (أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) أي هذا الحظ اليسير الذي نالوه من الدنيا بمطعم ومشرب إنما هو نار في أجوافهم، ثم قال: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) أي ليسوا ممن ترجى نجاتهم فيجيئهم من قبل الله كلام أو سلام كما قال في أوليائه: (تحيتهم يوم يلقونه سلام) ثم قال: (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم من ذنب الكفر بالعفو عنهم، (ولهم عذاب أليم) ، ثم قال: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) فكرر ذكر سوء اشترائهم ووعيدهم، وأنهم باعوا الإسلام بالكفر، واشتروا عذاب الله بالغفران، واقتحموا عذاب النار فعل من يعجب من صبره عليها.

فهذه أنواع كثيرة من التوعد اقترنت بما حصل من الذنب العظيم في كتمان ما لم يجب كتمانه، والإعراض عن تبيين ما وجب تبيانه. والآية التي في سورة آل عمران لم يذكر في أولها من الذنوب التي ارتكبوها مثل ما ذكر في أول هذه الآية قال: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلاً) فكان هنا ذكر بعض ما ذكر في الآية الأولى وهو يشترون به ثمناً قليلاً، فقرن به من الوعيد أقل مما قرن بالآية الأولى وهو أن قال: (لا خلاق لهم في الآخرة) أي لا نصيب لهم من الخير، فلا يكلمهم الله كما يكلم أولياءه ولا ينظر إليهم نظر رحمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) [درة التنزيل وغرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز برواية ابن أبي الفرج الأرستاني، دار الآفاق] فهو قد اعتبر الوعيد للصنف الثاني أقل منه للصنف الأول.

وقال الغرناطي: (أن آية آل عمران إنما وردت فى مرتكب مخصوص غير الكتم وقد يكون من غير الكاتمين وإن كان أنسب لحالهم وجرى مع مرتكبهم فهو يقع منهم ومن غيرهم انفرد هذا المرتكب الشنيع بما توعدوا عليه، ولكونه أجرى فى مرتكبات من قدم فى آيتى البقرة اشتد فيه الوعيد، وأتبعت الآية بما يشعر أنهم الأهلون لهذا المرتكب فقال تعالى: (وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب … الآية) فليّهم ألسنتهم من ضرب الكتم. وبالجملة فالآية مرتبطة بما يفصلها عن آيتى البقرة، ومناسبتها موضعها بيّن لما تقدمها من قوله: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك .. الآية) إلى ما يتلو هذا فخصوص هذه الآية بموضعها أوضح شئ وكل من هذه الآيات جار على أوضح مناسبة والله أعلم) [ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، دار الغرب]

وقال الكرماني المعروف بتاج القراء: (قَوْله {إِن الَّذين يكتمون مَا أنزل الله من الْكتاب ويشترون بِهِ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار وَلَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} الْآيَة فِي السُّورَة على هَذَا النسق وَفِي آل عمرَان {أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} لِأَن الْمُنكر فِي هَذِه السُّورَة أَكثر فالمتوعد فِيهَا أَكثر وَإِن شِئْت قلت زَاد فِي آل عمرَان {وَلَا ينظر إِلَيْهِم}) [أسرار التكرار في القرآن المسمى البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، دار الفضيلة]

وختاماً، روى البيهقي عن الفضيل بن عياض قوله: (لأَنْ آكُلَ الدُّنْيَا بِالطَّبْلِ وَالْمِزْمَارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آكُلُهَا بِدِينِي) وقال: (لأن يطلب الرجل الدنيا بأقبح ما تُطلب به، أحسن من أن يطلب بأحسن ما تُطلب به الآخرة) [صفة الصفوة، وحلية الأولياء وشعب الإيمان]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.