لا كلام ولا نظر ولا تزكية: 6) المُسبل إزاره خيلاء

ما زلنا في الحديث عن أصناف الذين لا ينظر الله تعالى إليهم ولا يكلمهم ولا يزكيهم في موقف يوم القيامة.

وأود أن أشير إلى أن ذكر الثلاثة في حديث لا يعني عدم وجود غيرهم ممن لا يدخلون معهم، قال الطبري: (فَلَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي الْحَدِيثِ الأوَّلِ وَحَصْرُهُمْ بِالْعَدَدِ الَّذِي حَصَرَهُمْ بِهِ فِيهِ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَلاثَةٌ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُمْ بِهِ فِيهِ، وَوَجَدْنَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا قَدْ ذَكَرَ ثَلاثَةً أُخَرَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَ بِهِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرَ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ) [شرح مشكل الآثار، مؤسسة الرسالة]

6) المسبل إزاره خيلاء:

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» [مسلم وغيره]

وروى الإمام مالك في الموطأ عن ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ» وللبخاري: «. . مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا» والإسبال هو إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، وهذه صورة من صور المتكبرين يوم القيامة وهم الذين يجرون أثوابهم تكبراً، وكما قلنا في العائل المستكبر، فإن التكبر حرام، ولكن صورة العائل المستكبر والمسبل المستكبر هي أشد، ومن شدتها أنها تجعل صاحبها في هذا الموقف السيء يوم القيامة.

ولست بصدد التفصيل في أحكام الإسبال، فهذه يرجع فيها إلى أقوال العلماء في كتب الفقه المعتمدة، ولكن أشير فقط إلى أن سادتنا العلماء في المذاهب الأربعة يقولون بحرمته إن كان من الخيلاء.

قال القاضي شيخ الإسلام السغدي الحنفي: (كل لباس يكون على خلاف السنة يكون لبسه مكروهاً، وهو مثل أثواب الكفار وأثواب الفسق والفجور وأهل الإشر والبطر مثل القَرطق وإسبال الإزار) [النتف في الفتاوى، مؤسسة الرسالة، والقرطق لباس مثل القباء أو العباءة وله أكمام وفيه شق لسهولة الحركة]

وقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد: (الْخُيَلاءُ: التَّكَبُّرُ، وَهِيَ الْخُيَلاءُ وَالْمَخْيَلَةُ يُقَالُ مِنْهُ رَجُلٌ خَالٌ وَمُخْتَالٌ شَدِيدُ الْخُيَلاءِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْبَطَرِ وَالْكِبْرِ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَلا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ مِنْ غَيْرِ خُيَلاءَ وَلا بَطَرٍ أَنَّهُ لا يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ، غَيْرَ أَنَّ جَرَّ الإزَارِ وَالْقَمِيصِ وَسَائِرِ الثِّيَابِ مَذْمُومٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَأَمَّا الْمُسْتَكْبِرُ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ ذَلِكَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ) [وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب]

وقال النووي الشافعي في شرح مسلم: (أن الإسبال يكون في الإزار والقميص والعمامة، وأنه لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء وهكذا نص الشافعي على الفرق كما ذكرنا) [شرح مسلم، المطبعة المصرية بالأزهر] وفي المجموع (فمذهبنا أن السدل في الصلاة وفي غيرها سواء، فإن سدل للخيلاء فهو حرام، وإن كان لغير الخيلاء فمكروه وليس بحرام) (يَحْرُمُ إطَالَةُ الثَّوْبِ وَالإزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى الْكَعْبَيْنِ لِلخُيَلاءِ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْخُيَلاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَصَرَّحَ بِهِ الأصْحَابُ) [تحقيق المطيعي، مكتبة الإرشاد]

وفصل ابن مفلح الحنبلي في الآداب الشرعية ذاكراً رأي الحنفية والشافعية، فقال: (يُبَاحُ إزَارُ الرَّجُلِ وَقَمِيصُهُ وَنَحْوُهُ مِنْ نِصْفِ سَاقَيْهِ إلَى كَعْبَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: السُّنَّةُ فِي الإزَارِ وَالْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ مِنْ نِصْفِ السَّاقَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَلا يَتَأَذَّى السَّاقُ بِحَرٍّ وَبَرْدٍ وَلا يَتَأَذَّى الْمَاشِي وَيَجْعَلُهُ كَالْمُقَيَّدِ، وَيُكْرَهُ مَا نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ ارْتَفَعَ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: جَرُّ الإزَارِ إذَا لَمْ يُرِدْ الْخُيَلاءَ فَلا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الأصْحَابِ رَحِمَهُمُ اللهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضًا «مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ» لا يَجُرُّ شَيْئًا مِنْ ثِيَابِهِ وَظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمُ، فَهَذِهِ ثَلاثُ رِوَايَاتٍ، وَرِوَايَةُ الْكَرَاهِيَةِ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ رَحِمَهُمُ اللهُ. قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ ارْتَدَى بِرِدَاءٍ ثَمِينٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُ مِئَةِ دِينَارٍ وَكَانَ يَجُرُّهُ عَلَى الأرْضِ فَقِيلَ لَهُ: أَوَ لَسْنَا نُهِينَا عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ لِذَوِي الْخُيَلاءِ وَلَسْنَا مِنْهُمْ) [تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة]

وقد خالف ابن العربي المالكي، فاعتبر الحرمة في الإسبال مطلقة ولم يقيدها بالكبر، قال: (وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك ففي النار» فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَايَةَ فِي لِبَاسِ الإزَارِ الْكَعْبَ، وَتَوَعَّدَ مَا تَحْتَهُ بِالنَّارِ؛ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يُرْسِلُونَ أَذْيَالَهُمْ، وَيُطِيلُونَ ثِيَابَهُمْ، ثُمَّ يَتَكَلَّفُونَ رَفْعَهَا بِأَيْدِيهِمْ. وَهَذِهِ حَالَةُ الْكِبْرِ وَقَائِدَةُ الْعُجْبِ، وَأَشَدُّ مَا فِي الأمْرِ أَنَّهُمْ يَعْصِمونَ وَيَحْتَجُّونَ، وَيُلْحِقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللهُ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلا أَلْحَقَ بِهِ سِوَاهُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يَنْظُرُ اللهُ لِمَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ». وَلَفْظُ الصَّحِيحِ: «مَنْ جَرَّ إزَارَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إزَارِي يَسْتَرْخِي، إلا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَسْت مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلاءَ» . فَعَمَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ، وَاسْتَثْنَى أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَأَرَادَ الأدْنِيَاءُ إلْحَاقَ أَنْفُسِهِمْ بالأَقْصِياءِ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ) [أحكام القرآن، دار الكتب العلمية]

وكذلك رأى ابن حجر من الشافعية بالحرمة مطلقاً، وقد ذكر رأيه مع الآراء التي خالفها، أذكره لكم كما ذكرت الآراء الأخرى وذلك للفائدة، ولكي ألفت أنظار أبنائنا وبناتنا إلى حرص سادتنا العلماء رحمهم الله على فهم النصوص واستخراج الأحكام منها، وفق القواعد والأصول التي ساخت في عالمنا اليوم حيث صارت الفتوى سلعة، وصار الرأي لعباً، وصار التخصص مطلوباً في كل شيء إلا في الدين، قال رحمه الله [بتصرف] : (وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضاً، لكن استُدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد، إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال. وقال النووي: الإسبال تحت الكعبين للخيلاء فإن كان لغيرها فهو مكروه، وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء قال: والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين وما نزل عن الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء وإلا فمنع تنزيه لأن الأحاديث الواردة في الزجر عن الإسبال مطلقة فيجب تقييدها بالإسبال للخيلاء. انتهى. والنص الذي أشار إليه ذكره البويطي في مختصره عن الشافعي قال: لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء ولغيرها خفيف لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر اهـ وقوله خفيف ليس صريحاً في نفي التحريم بل هو محمول على أن ذلك بالنسبة للجر خيلاء فأما لغير الخيلاء فيختلف الحال فإن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فهذا لا يظهر فيه تحريم ولا سيما إن كان عن غير قصد كالذي وقع لأبي بكر وإن كان الثوب زائداً على قدر لابسه فهذا قد يتجه المنع فيه من جهة الإسراف فينتهي إلى التحريم وقد يتجه المنع فيه من جهة التشبه بالنساء وهو أمكن فيه من الأول وقد صحح الحاكم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الرجل يلبس لبسة المرأة وقد يتجه المنع فيه من جهة أن لابسه لا يأمن من تعلق النجاسة به وإلى ذلك يشير الحديث الذي أخرجه الترمذي في الشمائل والنسائي: (كنت أمشي وعلي برد أجره فقال لي رجل: ارفع ثوبك فإنه أنقى وأبقى. فنظرت، فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إنما هي بردة ملحاء فقال: أما لك فيّ أسوة؟ قال: فنظرت، فإذا إزاره إلى أنصاف ساقيه) وسنده قبلها جيد وقوله ملحاء أي فيها خطوط سود وبيض.

وفي قصة قتل عمر أنه قال للشاب الذي دخل عليه: ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك. ويتجه المنع أيضاً في الإسبال من جهة أخرى وهي كونه مظنة الخيلاء. قال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أجره خيلاء. لأن النهي قد تناوله لفظاً ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكماً أن يقول: لا أمتثله لأن تلك العلة ليست فيّ. فإنها دعوى غير مسلمة بل إطالته ذيله دالة على تكبره اهـ ملخصاً وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن بن عمر في أثناء حديث رفعه «وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة» وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: «عبدك وبن عبدك وأمتك» حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله، إني حـَمْش الساقين [قوائمه دقيقة] . فقال: «يا عمرو، إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو، إن الله لا يحب المسبل» الحديث وأخرجه الطبراني أيضاً فقال عن عمرو بن زرارة وفيه وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال «يا عمرو، هذا موضع الإزار» ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: «يا عمرو، هذا موضع الإزار» الحديث ورجاله ثقات وظاهره أن عمراً المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء وقد منعه من ذلك لكونه مظنة) [فتح الباري، دار المعرفة]

هذا اختصار لآراء العلماء، ذكرت بعضها للعلم، وليس للتفصيل.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.