لا كلام ولا نظر ولا تزكية: 8) المُنفّق سلعته بالحلف الكاذب

وهو من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، وقد ذكرنا حديث أبي ذر رضي الله عنه فيهم والذي رواه مسلم وغيره: (. . وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) [وفي بعض الروايات: بالحلف الفاجر] . وما أكثرهم في موقف يوم القيامة!

عندي عسل صافي ليس فيه سكر، بضاعة أصلية لا تقليد فيها، زيت زيتون من المعصرة، جهاز أصلي مصنوع في البلد الفلاني، دهن حرّ من زبدة الغنم الصافية، زعفران غير مغشوش، فاكهة تم قطفها اليوم، ماذا لو كان كل هذا كذباً لا صحة فيه؟ إنه حرام طبعاً. هذه صور متعددة لما يردده الباعة، والسؤال: ماذا لو وَضعت مع كل جملة من هذه الجمل الحلف بالله تعالى: أقسم بالله، صدقني والله، والله شهيد ووكيل، وغيرها من أنواع الحلف المنتشرة بين الباعة والتجار، وغيرها من الجمل المعتادة: آخر سلعة عندي، أبيعها بسعر التكلفة، لن تجد مثلها في السوق. لا شك ستكون أعظم وأشد.

منكهات صناعية، نشارة خشب، ألوان، مواد كيمياوية، تقليد وتزييف، كل هذا منتشر في الأسواق على جميع الأصعدة وفي جميع السلع. غش على جميع المستويات وهذا كله حرام، وإضافة الحلف عليه أشد وأنكى وهو ما يستدعي أن يقف صاحبه يوم القيامة مع الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.

مَرَّ سيدنا الرسول عليه وآله أفضل الصلاة والسلام عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ رسول الله: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [مسلم، ولابن حبان: من غشنا فليس منا، والصبرة الكومة المجموعة من الطعام، أي وضع الطعام على بعضه فيصبح كومة، أصابته السماء أي نزل عليه المطر]

وكلما تطورت الحياة المدنية والاكتشافات العلمية، كلما تنوع الغش وصار اكتشافه صعباً، والناس بشكل عام تثق بالبائع وبخاصة إذا حلف واستشهد وغير ذلك من حيلهم الكثيرة.

جاء في الحديث: (وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) وللفائدة أشير إلى أنه جاء (الْمُنَفِّقُ) بتشديد الفاء، وهو ما ورد في أكثر الروايات كصحيح مسلم والنسائي وأبي داود وابن ماجه، ووردت (المُنْفِق) بضم الميم وإسكان النون في الترمذي، قال الخطابي بعد ذكر الحديث: (المُنَفِّق: مُشَدَّدَة الفاء أَجودُ، يريدُ المُرَوِّج لها من النَّفاقِ. فأمَّا المُنْفِقُ، ساكنة النون، فإنَّهُ يُوهمُ مَعْنى الإنفاقِ) [إصلاح غلط المحدثين، مؤسسة الرسالة] وهو قول ابن الأثير: (الْمُنَفِّقُ بِالتَّشْدِيدِ: مِنَ النفَاق، وَهُوَ ضِدُّ الكَساد. ويُقالُ: نَفَقَتِ السِلعةُ فَهِيَ نَافِقَةٌ، وأَنْفَقْتُهَا ونَفَّقْتُهَا، إذا جَعَلْتَها نَافِقَةً) [النهاية في غريب الحديث، دار ابن الجوزي] .

كما ورد في حديث آخر: (. . وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا فَأَخَذَهَا) [البخاري والنسائي وغيرهما] قال ابن الأثير في النهاية: (المساومة: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وفصل ثمنها)

ولا تخرج حالة هذا المنفق عن الصنف الثاني الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77] أو يمكن أن نقول أن هذا الصنف يدخل مع أولئك، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري: (. . وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ. ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) وكذلك ما ورد في نزول الآية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، قَالَ: قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفُ وَيَذْهَب بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} ] [صحيح البخاري وغيره]

وكما أسلفت فإن الحلف على البضاعة له عدة صور؛ فمنهم من يحلف على أنه اشتراها بكذا كي يرفع من سعرها، ومنهم من يحلف أنه يبيع أرخص من غيره أو أنه يبيع السلعة برأسمالها أو بتكلفتها، ومنهم من يحلف بأنها لا مثيل لها في السوق، أو أنها آخر حبة عنده، وفي زماننا هذا يحلف البائع أنها صنعت في بلد كذا [لانتشار التقليد] وغيرها من صور الحلف الكاذب الذي يقع فيه التجار عادة من أجل ترويج بضاعتهم، فهم يتربحون من وراء جعل الله تعالى عرضة بينهم وبين الناس، ويتوسلون بالكذب المغلظ كي يبيعوا بضاعاتهم، وقد ورد في الحديث المرسل: (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ) [الترمذي والدارمي]

أما ما ورد في الحديث: (وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ) وسبب تقييده ببعد العصر، فإن من العلماء من ذهب إلى اجتماع ملائكة الليل والنهار في هذا الوقت، ومنهم من قال بارتفاع الأعمال، ومنهم من اعتبره لفضل صلاة العصر، وإليك بعض هذه الآراء:

ففي شرح ابن بطال: (قال المهلب: إنما خص النبى هذا الوقت بالتعظيم وجعل الإثم فيه أكبر من غيره؛ لشهود ملائكة الليل والنهار فى وقت العصر، وليرتدع الناس عن الأيمان الكاذبة فى هذا الوقت المعظم) [شرح صحيح البخاري، مكتبة الرشد، والمهلب هو بن أحمد بن أبي صفرة مصنف شرح صحيح البخاري، توفي في 435 هـ، وليس المهلب بن أبي صفرة والي الأمويين وأحد قادتهم]

وقال الباجي في المنتقى: (وَفِي ذَلِكَ فَائِدَةُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ مَعَ الِانْصِرَافِ مِنْ عِبَادَةٍ تُذَكِّرُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَتَنْهَى عَنْ الْبَاطِلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}) ولابن حجر قوله: (وفيه نظر لأن بعد صلاة الصبح يشاركه في شهود الملائكة ولم يأت فيه ما أتى في وقت العصر ويمكن أن يكون اختص بذلك لكونه وقت ارتفاع الأعمال)

ولأبي العباس القرطبي في المفهم رأي تفصيلي نذكره في الختام: (إنما كان ذلك لأنه عقب الصلاة الوسطى كما يأتي النص عليه، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل وعظيم القدر أكثر مما لغيرها، فينبغي لمصليها أن يظهر عليه عقبها من التحفظ على دينه، والتحرز على إيمانه أكثر مما ينبغي له عقب غيرها، لأن الصلاة حقها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) أي: تحمل على الامتناع عن ذلك، مما يحدث في قلب المصلي بسببها من النور، والانشراح، والخوف من الله تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبي صىلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً) وإذا كان هذا في الصلوات كلها كانت الوسطى بذلك أولى، وحقها في ذلك أكثر، وأوفى، فمن اجترأ بعدها على اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير كان إثمه أشد، وقلبه أفسد) ورد على من قال باجتماع ملائكة الليل والنهار في معرض رده على القاضي [بتصرف] : (أحدهما: لأن هذا المعنى موجود في صلاة الفجر، وعلى هذا فتبطل خصوصية العصر لمساواة الفجر لها في ذلك.

وثانيهما: أن حضور الملائكة واجتماعهم إنما هو في حال فعل هاتين الصلاتين، لا بعدهما، كما قد نص عليه الحديث حين قال: «يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر» وهذا يدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الملائكة لا يشاهدون من أعمال العباد إلا الصلوات فقط، وبها يشهدون، فتدبر ما ذكرته فإنه الأنسب الأسلم والله أعلم) [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، دار الكلم الطيب]

أما إشارته إلى تأثير الصلاة وبخاصة صلاة العصر فإنها إشارة مهمة، ونعيشها في واقعنا، فمن أدى الصلاة حق أدائها من حيث الاستحضار، والخشوع، والذكر، والدعاء، فإنها تترك في نفسه أثراً طيباً يكون دافعاً له وشاحناً لطاقته الإيمانية، بخلاف من يؤديها كعادة، أو على عجل، أو لا يعطيها حقها، فإن تأثيرها عليه يكون ضعيفاً إن وُجد.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.