لا كلام ولا نظر ولا تزكية: 9) رجل على فضل ماء يمنعه عن المحتاج

وهذه جريمة تضاف إلى جرائم هذه الأصناف، وهي جريمة الذي يمنع فضل ماء عنده عمن هم بحاجة إليه، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ .. الحديث) [البخاري ومسلم مع اختلاف في الترتيب]

ويضاف إليه من يتحايل بمنع الماء ليبيعه على من يطلبون الكلأ لماشيتهم؛ قال عليه الصلاة والسلام: (لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ) [مالك، وابن ماجه] وفيما أخرجه ابن أبي شيبة: (مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الْكَلَإِ، مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [ابن أبي شيبة]

قال ابن بطال: (يدل أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ صاحب البئر حاجته لم يجز له منع ابن السبيل) [شرح البخاري، مكتبة الرياض] أما منع الكلأ فمعناه (أَنْ تَكُونَ لِإِنْسَانٍ بِئْرٌ مَمْلُوكَةٌ لَهُ بِالْفَلَاةِ وَفِيهَا مَاءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ وَيَكُونَ هُنَاكَ كَلَأٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ إِلَّا هَذِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي رَعْيَهُ إِلَّا إِذَا حَصَلَ لَهُمُ السَّقْيُ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُ فضل هذا الماء للماشية ويجب بذله لها بِلَا عِوَضٍ لِأَنَّهُ إِذَا مَنْعَ بَذْلَهُ امْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ رَعْيِ ذَلِكَ الْكَلَأِ خَوْفًا عَلَى مَوَاشِيهِمْ مِنَ الْعَطَشِ وَيَكُونُ بِمَنْعِهِ الْمَاءَ مَانِعًا مِنْ رَعْيِ الْكَلَأِ) [شرح النووي على مسلم، المطبعة المصرية بالأزهر 1929م]

وقد بيّن ابن عبد البر في التمهيد بعض الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع وقد ابتدأ كلامه بقول الإمام الشافعي ثم ذكر رأي الإمام مالك، وختم بقول الإمام أبي حنيفة رحمهم الله تعالى فقال [بتصرف] : (قَالَ مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَعَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ، هُوَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُبَاعَ الْمَاءُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ لَهُ الْبِئْرُ أَوِ الْعَيْنُ أَوِ النَّهْرُ لِيَشْرَبَ مِنْ مَائِهِ ذَلِكَ وَلِيَسْقِيَ دَابَّتَهُ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ. فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِدَابَّتِهِ وَمَاشِيَتِهِ إِلَى الرَّجُلِ لَهُ الْبِئْرُ وَفِيهَا فَضْلٌ عَنْ سَقْيِ مَاشِيَتِهِ فَيَمْنَعُهُ صَاحِبُ الْبِئْرِ السَّقْيَ يُرِيدُ بَيْعَ فَضْلِ مَائِهِ مِنْهُ فَذَلِكَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ مِنْ (بَيْعِ) فَضْلِ الْمَاءِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُبِيحَ غَيْرُهُ فَضْلَ مَائِهِ لِيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَاشِيَةِ إِذَا مُنِعَ أَنْ يَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُقَامِ بِبَلَدٍ لَا يَسْقِي فِيهِ مَاشِيَتَهُ فَيَكُونُ مَنْعُهُ الْمَاءَ الَّذِي يَمْلِكُ مَنْعًا لِلْكَلَأِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ.

وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ مَالِكَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالتَّقَدُّمِ فِي السَّقْيِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ لَا يُمْنَعَ الْفَضْلُ وَالْفَضْلُ هُوَ الْفَضْلُ عَنِ الْكَفَافِ وَالْكِفَايَةِ.

وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمَاءِ هُوَ مَنْعُ شِفَاهِ النَّاسِ وَالْمَوَاشِي أَنْ يَشْرَبُوا فَضْلًا عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِ الْمِلْكِ مِنَ الْمَاءِ وَأَنْ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْمَاءِ مَنْعُهُمْ.

وَأَحَادِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مُتَّفِقَةٌ تُفَسِّرُهَا السُّنَّةُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتِ الْأَحَادِيثُ بِأَلْفَاظٍ شَتَّى قَالَ: وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي مَاءِ الْبِئْرِ كَانَ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ مَاءِ الْبِئْرِ أَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنَ الشَّفَةِ. قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ مِنْ رَجُلٍ لَهُ بِئْرٌ فَضْلَ مَائِهِ مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ لِيَسْقِيَ بِذَلِكَ زَرْعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ لِمَالِكِ الْبِئْرِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَبَاحَهُ فِي الشِّفَاهِ الَّتِي يُخَافُ مَعَ مَنْعِ الْمَاءِ مِنْهَا التَّلَفُ عَلَيْهَا وَلَا تَلَفَ عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُوحٍ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَسْقِيَ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَاءِ. هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ)

ثم ذكر قول الإمام مالك: (وَأَمَّا جُمْلَةُ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي هَذَا الْبَابِ فَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَفَرَ فِي أَرْضِهِ أَوْ دَارِهِ بِئْرًا فَلَهُ بَيْعُهَا وَبَيْعُ مَائِهَا كُلِّهِ وَلَهُ مَنْعُ المارة من مائها إلا بثمن، إلا قوم لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَإِنْ تُرِكُوا إِلَى أَنْ يَرِدُوا مَاءَ غَيْرِهِ هَلَكُوا فَإِنَّهُمْ لَا يُمْنَعُونَ وَلَهُمْ جِهَادُهُ إِنْ مَنْعَهُمْ ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ حَفَرَ مِنَ الْآبَارِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ مُعَيَّنٍ لِمَاشِيَةٍ أَوْ شَفَةٍ، وَمَا حُفِرَ فِي الصَّحَارِي كَمَوَاجِلِ الْمَغْرِبِ وأَنْطَابُلُسَ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَلَا يُمْنَعُ أَحَدٌ فَضْلَهَا وَإِنْ مَنَعُوهُ حَلَّ لَهُ قِتَالُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمُسَافِرُونَ عَلَى دَفْعِهِمْ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا فَدِيَاتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِ الْمَانِعِينَ وَالْكَفَّارَةُ مِنْ كُلِّ نَفْسٍ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ الْمَانِعِينَ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ)

ثم ذكر قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي هَذَا الْبَابِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ سَوَاءً وَقَالُوا: لِكُلِّ مَنْ لَهُ بِئْرٌ فِي أَرْضِهِ الْمَنْعُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلشِّفَاهِ وَالْحَيَوَانِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَاءٌ فَيَسْقِيهِمْ) [وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب، مواجل المغرب: برك ينقع فيها الماء فتكون سقايات، وأنطابولوس هو اسم برقة-ليبيا القديم]

ولاحظ إشارة علمائنا الكرام إلى منع من يقوم بهذا العمل، وإجباره على عدم منع الماء وإن كان الماء ملكه كما قال الإمام مالك: (وَإِنْ مَنَعُوهُ حَلَّ لَهُ قِتَالُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْمُسَافِرُونَ عَلَى دَفْعِهِمْ حَتَّى مَاتُوا عَطَشًا فَدِيَاتُهُمْ عَلَى عَوَاقِلِ الْمَانِعِينَ وَالْكَفَّارَةُ مِنْ كُلِّ نَفْسٍ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ الْمَانِعِينَ مَعَ وَجِيعِ الْأَدَبِ) فبالإضافة إلى المنع، فإن عليه دية من يموت بسبب المنع، وعلى الإمام تأديبه أو تعزيره، وفي هذا إضافة إلى المعالجة الشرعية لهذا الأمر، لأن الإسلام ليس معالجات نظرية أو فردية، بل هو نظام كامل لشئون الحياة، فيه المعالجة وفيه الحكم وفيه العقوبة، ولذلك فهو منهج للبشرية في كل مناحي الحياة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.