لا كلام ولا نظر ولا تزكية: 10) بايع الإمام لمصلحة دنيوية

من هذه الأصناف من يبايع الإمام للدنيا، فإن أصاب شيئاً منها وإلا فلا.

قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ثَلَاثة لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: . . وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفى له، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ له) [ابن ماجه، ومسلم، ولأحمد (الإمام) وعند البخاري: (وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ) وعند البيهقي: (بَايَعَ لِأَمِيرٍ) ]

لو أننا نظرنا إلى العالم والتاريخ والبشرية، لوجدنا أن أعظم ما تقاتل عليه الناس منذ القدم هو الحكم والسلطان، فهو القوة والسطوة والشهوة، تجمعت فيه عصارة الدنيا، ولذلك لم يسلم من الحرص عليه إلا القليل النادر.

ولوجدنا أكثر الناس يقتاتون على عصارة الحاكم، وهم الذين يلتفون حوله من أجل مصالحهم، فما دام في سلطانه وقوته فهو عندهم الأول المبجل، فإن رحل تحولوا إلى الآخر وهكذا، هذه النماذج موجودة بوجود البشر، ودينهم (عاش الملك مات الملك) .

ومن ناحية أخرى فإن الله جل وعلا خلق الإنسان ليعمر الأرض ويصلحها بمنهج الله تعالى، وقد أثبت الله للملائكة فيما حصل إبان خلق آدم عليه السلام قدرة آدم على هذه الخلافة، إذ كان قولهم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) [البقرة: من 30] وأعقب ذلك كله بالهدى الذي أنزله على البشر، فمن اتبعه فقد نجا، ومن ضل عنه فقد هلك: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 38-39] ، وقال جل وعلا: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)[طه: 123-124] وكان هذا هو الحوار الوحيد من الملائكة الذي ورد في القرآن كله، وفي سورة البقرة بالذات وهي من أول ما نزل على سيدنا رسول الله وهو ذاهب إلى المدينة، ليتسلم الحكم فيها ويقيم دولة الإسلام الأولى.

وضرب الله تعالى لنا مثلاً بهداه الذي أمر عباده أن يتبعوه في الحكم والحياة من قبل فقال: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ الله وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44]

ذكرت هذا كله لأبين أمراً مهماً وهو أن الحكم عندما يكون لله تعالى فإنه يختلف عن سائر أحكام وحكام الدنيا لكونه حكماً بشرع الله تعالى، والمسلمون عندما يحرصون على أن يَحكموا ويُحكموا بشرع الله تعالى فإنما يفعلون ذلك طاعة لله تعالى ونيلاً لرضوانه، وبهذا تميز الحكم الإسلامي عن سائر أنواع الحكم.

والصنف الذي نحن بصدده هو من يبايع الإمام (الحاكم) ولا يبايعه لله تعالى، فلم يقصد الطاعة ولم يأبه بالشرع، بل يبايع لمصلحة دنيوية، فإن حصل عليها فهو من خيار الرعية، وإلا سخط وتمرد وربما ثار وأثار. ولذلك فهو من الأصناف السيئة التي لا ينظر الله إليها ولا يكلمها ولا يزكيها يوم القيامة ولها عذاب أليم. وإن كان الشيء بالشيء يذكر فإن لنا في كتاب الله تصويراً جميلاً لأمثال هؤلاء، قال تعالى: (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) [النساء: 72-73] ولله در الطبري رحمه الله في وصفه: (وأنهم لا يرجون لحضورها ثوابًا، ولا يخافون بالتخلف عنها من الله عقابًا) .

قال النووي في شرح مسلم: (وَأَمَّا مُبَايِعُ الْإِمَامِ عَلَى الْوَجْهِ المذكور فَمُسْتَحِقٌّ هَذَا الْوَعِيدَ لِغِشِّهِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامِهِمْ وَتَسَبُّبِهِ إِلَى الْفِتَنِ بَيْنَهُمْ بِنَكْثِهِ بَيْعَتَهُ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ)

وفي فتح الباري: (وأما الذي بايع الإمام بالصفة المذكورة فاستحقاقه هذا الوعيد لكونه غش إمام المسلمين ومن لازم غش الإمام غش الرعية لما فيه من التسبب إلى إثاره الفتنة ولا سيما إن كان ممن يتبع على ذلك)

فالمسلم يبايع الحاكم طاعة لله تعالى، والحاكم يقبل البيعة طاعة لله، وكل هذا من أجل عمارة الأرض وإصلاحها، والعيش في الدنيا بمنهج الله تعالى، وما إن تدخل شهوات الدنيا ومصالحها في العلاقة بين الاثنين، فيحكم الحاكم لشهوة السلطة، ويتبعه المحكوم للمصلحة إلا وتفسد الأرض وتضيع الحقوق، ويعم الظلم والفساد.

وقد مثل لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا كله في حديث عظيم يستحق أن نفرد له كلمة خاصة به، يبين فيه الرسول عليه الصلاة والسلام مهمة ثلاثة أصناف، صنف يُصلح وصنفان يُفسدان، فقال عليه وآله أفضل الصلاة والسلام:

(مَثَلُ المُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ، وَالوَاقِعِ فِيهَا، [والقائم عليها] مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلاَهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ، قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلاَ بُدَّ لِي مِنَ المَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ) [البخاري وغيره، وجملة القائم عليها وردت في مسند الحميدي والمعجم الكبير للطبراني]

فهم ثلاثة:

المدهن الممالق الذي لا يأبه بالفساد ولا يلتفت له ولا يحرك ساكناً.

المفسد الذي يقدم مصلحته على مصلحة الآخرين، ديدنه (أنا وبعدي الطوفان)

القائم: وهو المصلح الذي إن أخذ على يد المفسد فقد أصلح، وإن تركه فقد شاركه في الفساد.

فتأملوا الحديث بارك الله فيكم، وتصوروا جريمة من يبايع ويتبع من أجل شهوته ومصلحته، وتصوروا خطر هذه النماذج في المجتمع.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.