لا ينظر الله إليهم: 2) الديوث

مازلنا في الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، والصنف الثاني هو الديوث.

عن سالم بن عبد الله رضي الله عنهما، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ثلاث لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يومَ القيامة: . . والديوث» [أخرجه أحمد، والنسائي وليس فيه لا يدخلون الجنة]

أصل الكلمة من دَيَث وهي تدل على التذليل، تقول: ديثته أي أذللته. وديثت البعير أي ذللته وروضته بالرياضة، وسمي الديوث ديوثاً لأنه يرى المنكر في أهله فلا يغيره فهو ذليل لا عزة له ولا كرامة. وفي الموسوعة الفقهية: (عُرِّفَتِ الدِّيَاثَةُ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ يَجْمَعُهَا مَعْنًى وَاحِدٌ لاَ تَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ عَدَمُ الْغَيْرَةِ عَلَى الأهْل وَالْمَحَارِمِ) . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث) [الطبراني]

فالديوث من لا غيرة له على أهله ومحارمه، وهو الذي لا يأبه ولا يتأثر من رؤية الخبث والسوء في أهله.

أما الغيرة فهي فطرةٌ طبيعية خلق الله الناس عليها، وهي الأصل وانعدامها هو الشذوذ والانحراف، ألا ترى قوم لوط يتهمون لوطاً عليه السلام وجماعته بالطهارة: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل: 56] وما أجمل قول قتادة: (عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من أعمال السوء) [تفسير القرطبي] .

والإسلام عندما وافق الفطرة فأمر بالغيرة وحث عليها، فإنه لم يزرعها في النفس الإنسانية، لأنها مفطورة عليها، ولكنه حث عليها وحماها بالأحكام، فجاءت أحكامه تحرم الفواحش، وتأمر بكل ما فيه عفة وطهارة، من تحريم الزنا وسائر الفواحش، وستر العورة وغض البصر والاستئذان، وكل الأحكام التي نظمت العلاقة بين المرأة والرجل. ومن أعظم ما شرعه الله تعالى أن جعل من يُقتل دون أهله شهيداً، إذ جاء في الحديث الصحيح: (مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) [أحمد والترمذي والنسائي] ، فالمرأة في الإسلام جوهرة ثمينة وعرض يجب أن يصان، تسفك من أجلها الدماء، وتستمر لحمايتها الحروب.

وما أجمل قول الشاعر:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ،،،، حتى يراق على جوانبه الدم.

أخرج مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ» وقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ . . الحديث) [صحيح مسلم وغيره]

ولا يفوتنا أن نذكر أن الغيرة إذا كانت بلا ريبة ولا مبرر لها فإنها تكون مذمومة لأنها تتحول إلى شك وبهتان ولها عواقب وخيمة، وهذا محرم ولا يجوز شرعاً، قال عليه الصلاة والسلام: «مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يَكْرَهُ اللَّهُ، فَأَمَّا مَا يُحِبُّ اللَّهُ، فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا مَا يَكْرَهُ، فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ» [ابن ماجه والحاكم] .

فالاتهام بالسوء، وإشاعة الأكاذيب، والتجسس وبث الريبة في المجتمع؛ كل هذا من شأنه أن يوغر الصدور ويوجد المآسي التي ما لها من تلاف.

وقد حرم الإسلام القذف في الأعراض وجعله من السبع الموبقات، مستحقاً اللعن؛ قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: 23] وقال عز من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور: 19] وقال سيدنا الرسول الكريم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» [البخاري ومسلم وغيرهما]

ومما تجدر الإشارة إليه أن بث الريبة يفسد المجتمع ويسقي بذور الشك في النفوس حتى تغدو أشجاراً تعشش فيها البغاث الراثعة، ذلك لأن الريب في المجتمع يشكك الناس في بعضها، ويفتح الأبواب لذوي القلوب المريضة والنفوس الضعيفة، سواء أكان بث الريبة من الحاكم أم من المحكوم؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ» [أبو داود والبيهقي] وما أشد ما تعانيه المجتمعات الإنسانية من هذا الإفساد، ألا ترى المرأة تدخل مركز الشرطة لحادث مروري، فتفسر النفوس المريضة ذلك بالعرض والشرف؟ ويَقتل مجنون أو متعاطي مخدِّرات أخته الطاهرة العفيفة، فتفسر الناس هذا بالشرف. وما أسوأ ما ابتلينا به من الواتساب ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها في بث الشائعات والسموم والافتراءات، حتى طالت أعراضاً وذمماً فتدمرت بسببها بيوت، وطُلقت نساء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إن المجتمع الإسلامي محكوم بأحكام شتى، آخذ بعضها برقاب بعض، ومن أراد أن ينظر إلى هذا المجتمع فإن عليه أن ينظر من زاوية الأحكام كلها، وليس من زاوية حكم دون الآخر، وعلى سبيل المثال: فقد جاءت الأحكام الشرعية تنظم العلاقة بين المرأة والرجل، فأمرت المرأة بأوامر وأمرت الرجل بأوامر، ففي الحياة العامة مثلاً أُمرت المرأة باللباس الشرعي وبغض البصر، بل إنها أُمرت من أجل المحافظة عليها ألا تمشي في وسط الطريق فتزاحم الرجال، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ» فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ) [أبو داود وغيره، وحق الطريق أوسطها، ورأينا هذا بأعيننا لأن هذه العادة ظلت وما زالت في بلاد المسلمين] ومن ناحية ثانية فقد أمر الرجالَ بحق الطريق أيضاً؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ»، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا»، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» [البخاري وغيره، وقد رأيت الرجل يمشي في الشارع العام أو في السوق فإذا مر بجانب امرأة وضع بشكل عفوي يده خلف ظهره]

أما الحياة الخاصة، فقد شرع الله تعالى لها أحكام الاستئذان والدخول على النساء وغيرها، فقال عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ» [البخاري وغيره] ومن عظمة هذا الدين أن أمر بالاستئذان على الأم تربية للنفوس وتنمية للعفة والطهارة فيها، وقد يستغرب الواحد منا؛ كيف يستأذن على أمه التي ولدته وربته؟ انظر إلى هذا الحديث: عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: «نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا» فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا. أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟» قَالَ: لاَ. قَالَ: «فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا» [الموطأ للإمام مالك وغيره، فانظر إلى عظمة التشريع لأنه من رب البشر سبحانه وتعالى وهو الأعلم بهم لأنه خلقهم، ويأتي الجواب؛ فمن يحب منا أن يرى أمه عريانة؟] ونظم في الحياة الخاصة شئون الاختلاط بين النساء والرجال وآداب الطعام وغيرها.

وبذلك يكون الإسلام قد حكم المجتمع بنظام كامل شامل تحفظ فيه الأعراض، وتصان فيه الحرمات، ويعيش فيه الإنسان آمناً من كل سوء.

وأخيراً أعتذر عن الإطالة وأترككم مع هذه الأبيات الجميلة لعلها تعجبكم:

وأترك حبّها من غير بغض ،،،، وذاك لكثرة الشركاء فيه

إذا وقع الذباب على طعام ،،،، رفعت يدي ونفسي تشتهيه

وتجتنب الأسود ورود ماء ،،،، إذا كان الكلاب ولغن فيه

[ثمرات الأوراق للحموي، وذكره الدميري في حياة الحيوان الكبرى في حديثه عن الأسد، وفي بعض مواقع النت من ينسب الشعر للإمام الشافعي، ولا دليل كالعادة إلا قالوا، ولا أظنه كذلك، إلا أن يفيدنا متخصص، وقد ذكره ابن حجة الحموي في كتابه ثمرات الأوراق، في قصة الملك الذي أعجب بزوجة أحد خدمه، فتمثلت المرأة بالأبيات نقلاً عن السابقين]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.