لا ينظر الله إليهم: 4) مدمن الخمر

بكلمة اليوم ننتهي إن شاء الله تعالى من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم في موقف يوم القيامة، وسننتقل إلى ما بعدها إن يسر الرحمن عز وجل.

قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: . . وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ» [أحمد والبزار والحاكم] .

الفرق بين شارب الخمر ومدمنها أن الأخير يداوم على شربها ولا ينفك يطلبها، وذلك لتأثيرها عليه وتعود جسمه عليها، وإدمان الخمر من أكثر مسببات المآسي في المجتمعات وبخاصة المجتمعات التي يباح فيها بيع الخمور وشربها كالمجتمعات الغربية وبعض بلاد المسلمين.

وأصل الكلمة من الدمن وهو البعر، قال الأزهري في تهذيب اللغة: (فلانٌ يُدْمِنُ الشُّرْبَ والخمرَ إِذا لزم شُرْبها، ومُدْمِنُ الْخمر: الَّذِي لَا يُقْلِع عَن شربهَا واشتقاقه من دَمْنِ البَعَر) وفي تاج العروس: (وأَدْمَنَ الشَّيءَ: أَدَامَهُ ولَزمَهُ، وَلم يَنْفَكّ عَنهُ) وفي العين للخليل: (وفلانٌ يُدْمِن الخَمْرَ والشُّرْبَ أي يُديُمُ شُرْبَها، ومُدْمِنْ الخمر: الذي لا يُقلِعُ عن شُربِها) وعرفه ابن الأثير في النهاية بقوله: (هُوَ الَّذِي يُعاقر شُربها ويلازمُه وَلَا ينْفك عَنْهُ) ولا يخرج تعريف السادة الفقهاء عن تعريف اللغويين، ونجد الجرجاني في التعريفات جعل وجود العزم على تكرار الشرب من الإدمان فقال عن المدمن: (من شرب الخمر وفي نيته أن يشرب كلما وجده) وقد شبهه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بعابد الوثن: «شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ» [ابن ماجه والبزار]

والخمر محرمة قطعاً بالكتاب والسنة، ولا قيمة ولا عبرة لمن ظهر في هذه الأيام ممن ينكرون حرمة الخمر باستدلالات سخيفة لا ترقى للاحترام، ناهيك عن فقدانها لأدنى مستويات فهم اللغة التي يعرفها صبيان الابتدائية.

والرأي المحترم يُرد عليه باحترام، أما الرأي السخيف فلا بد أن تُبين سخافته وسفاهته، لأن تسخيفه يقلل من قيمته في أذهان الناس، ألا ترى أنهم يستخدمون كلمات باهرة وألقاباً براقة ليلفتوا الأنظار إليها من أجل أن تستقبل العقول ما هو آت؟ وعلى طريقة تعويم العملة تم تعويم الألقاب؛ فضع قبل اسم السخيف لقب العلامة أو العالم أو الاختصاصي أو الإمام أو غير ذلك [لم أذكر لقب الشيخ -العلمي- لأنه صار لقب الجميع فلم تعد له قيمة] ، من أجل أن تمهِّد للعقول أن تستقبل سخافاته وافتراءاته وجهله.

وَضَع أمام الرأي الشاذ، أو الفاسد، أو المنحط، كلمة: الرأي الجرئ، القول الفصل، لأول مرة، وغيرها من الجمل المتداولة، من أجل أن تمهد للاقتناع الزائف به.

ومثال على ما سبق، فإن من الذين قالوا بأن الخمر حلال من استدل بالقرآن الكريم، وبالطبع فقد نحّى السنة النبوية جانباً، لأنهم يعلمون أن السنة قاضية عليهم، فاضحة لهم، ولأنهم قبلوا التآمر على إسقاط السنة من ثقافة المسلمين وأحكامهم، بل وحياتهم، تمهيداً لقادمهم الأكبر وهو إسقاط القرآن الكريم، وهم يعتمدون في ذلك كله على العقول التي لا تبحث خلفهم، ولا تسألهم عن مصادرهم، ولا تتحقق من كلامهم، وهي إن فعلت فإن أقصى ما تفعله هو البحث في محركات النت، ليس غير.

وقد استدل هؤلاء بأن كلمة فاجتنبوه لا تعني التحريم، ومنهم من قال إنما تعني اجتناب ما قد ينتج من مشاكل يريدها الشيطان، كالعداوة وغيرها، ولذلك فهي حلال.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) [المائدة: 90-91]

ولننظر إلى الآيتين الكريمتين، فلم يقل الله تعالى فاجتنبوهم ولكن قال فاجتنبوه، فما هو المقصود بالاجتناب؟ إنه الرجس، فالآية فيها أمر باجتناب الرجس، وقد بينت الآية أن الرجس هو الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وواضح لكل ذي عقل سليم أن الآية تأمر باجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام.

أما الاجتناب فهو من جنب ولها أصلان متقاربان قال في المقاييس: (الناحية، والآخر البُعد. فأما الناحية فالجناب. يقال هذا من ذلك الجناب، أي الناحية، وقعد فلان جنبةً إذا اعتزل الناس) ومنه قول عمر رضي الله عنه في الحديث الموقوف الصحيح: (عليكم بالجَنْبَة، فإنها عفافٌ) [رواه أبو عبيد وهشام بن عمار، ويقصد به الابتعاد عن مخالطة النساء فإنه من العفاف، وليس الجلوس بجانبهن كما يدعي هؤلاء، إذ يقولون أن الاجتناب هو الجلوس بجنب الرجس لأنه يكون دائماً في جنب الإنسان ولا يستطيع أن يهرب منه] والجُنُب ذكراً كان أو أنثى مَنْ انتهى من الجماع، وسمي جنباً لابتعاده عما يقترب منه الآخرون.

وواضح من الآية الكريمة معنى الاجتناب وهو الابتعاد، إذ لا يتأتى أن يكون الجلوس بجانب الرجس كالجلوس بجانب إنسان أو غيره، هذا من ناحية.

ومن ناحية ثانية؛ إذا قيل بأن الأمر هو اجتناب ما ينتج من مشاكل، بدليل قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) فيرد عليه بأن الآية لم تذكر الأنصاب والأزلام [الأنصاب: الأوثان، والأزلام: الأقداح التي كانوا يستقسمون بها] وذكرت فقط الخمر والميسر، وهذا معناه أنه لا مشاكل من الأنصاب والأزلام، فلم أمرنا الله تعالى باجتنابهما وجعلهما من الرجس؟ أي إذا كان القصد من كلمة (فاجتنبوه) هو اجتناب ما ينتج عنه من العداوة والبغضاء فإن الآية لم تذكرهما في الأنصاب والأزلام، فيسقط الاستدلال، ويكون معنى اجتنبوه هو ابتعدوا عنه، وهو أشد من التحريم كما سيأتي.

والآية تبين أن الخمر والميسر مدعاة لوجود العداوة والبغضاء، وهذا أمر طبيعي وقد رأيناه وما زال موجوداً بوجود الخمر والقمار، فالندماء يسكرون وتحصل بينهم العداوة والبغضاء وكذلك المتقامرون، وهذا بالطبع ليس لازماً لوجود الندماء والمتقامرين فقد يحصل وقد لا يحصل، فكم ترى من ندماء ومتقامرين أحباء وأصدقاء ولم تحدث بينهم عداوة ولا بغضاء. ولذلك لم تصلح العداوة والبغضاء علة لتحريم الخمر.

ولأن الاجتناب شديد في الحرمة، قال عليه الصلاة والسلام:

(لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِي لَهَا، وَالمُشْتَرَاةُ لَهُ) [الترمذي وابن ماجه]

عاصرها: الذي يعصرها لغيره.

معتصرها: الذي يطلب عصرها لغيره، أو يعصرها لنفسه.

حاملها: الذي يحملها لغيره، ولاحظ أنه قد لا يكون شارباً لها.

المحمولة إليه: الذي يطلبها، وقد لا يكون شارباً لها.

آكل ثمنها: من يقبض ثمن بيعها، أي مالكها، ويختلف عن بائعها بأن البائع قد يكون أجيراً.

والمشتري لها: لنفسه أو لغيره وكالة.

والمشتراة له: وكالة.

فأي تحريم أعظم من هذا التحريم؟؟

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.