التابع والمتبوع، هذا يوم الافتراق

فئتان في الدنيا: عابد ومعبود، مشرك وشريك، تابع ومتبوع، ضال ومضل، وشياطين وإنس، والتابعون عادة أكثر من المتبوعين.

ألا ترى الواحد تتبعه الأكثرية، وترى النخبة من القوم تتبعها الملايين، تراهم سادة وعبيداً، حكاماً ورعية، أغنياء وفقراء، مستكبرين ومستضعفين، كل هذه نماذج وجدت في الدنيا وستوجد في يوم القيامة ولكن الفرق كبير، ففي الدنيا اندمجت الفئتان فأصبحتا كتلة واحدة، فاشتغلت هذه الكتلة في الدنيا على اختلاف فئتيها، إن بالإصلاح أو بالإفساد، فأصلحت الأرض والخلق أو عاثت فيهما فساداً، أما في الآخرة فحينئذٍ الافتراق.

بعض الناس عندما يرون الظلم سائداً والفجور منتشراً والعدل مفقوداً فإنهم يلصقون التهمة بالسادة والحكام والمستكبرين والأغنياء، ويبرؤون أنفسهم لأنهم هم المساكين الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة، نعم، أولئك ليسوا بمفازة من الذنب فهم مسئولون ولكنهم ليسوا وحدهم، بل إن التابعين والمستضعفين والفقراء والعبيد سواء معهم في الإجرام والإفساد، ولا يظنن واحد من الفئتين أنه لا ذنب عليه. انظر إلى قوله تعالى:

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) [الزخرف: 54-56] فالذنب ليس ذنب فرعون وحده، بل ذنبه وذنب الذين استخف بهم فأطاعوه، ولذلك قال الله تعالى عنهم: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) فأدخلهم في الجملة مع فرعون، وعاقبهم بنفس عقابه: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود: 98-99]

وهل كان باستطاعة فرعون لوحده أن يحكم ويعذب ويقتل النساء والأطفال ويفعل ببني إسرائيل العجائب، لولا قادته وجنوده وأتباعه وشعبه، وانظر إلى هذا المثال الذي تقشعر منه الأبدان واسأل نفسك: هل كان لفرعون أن يفعله لوحده؟ وهو قصة ماشطة ابنة فرعون، وهي خادمتها التي تمشط شعرها:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا. قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟ قَالَ: بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ سَقَطَتِ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللهِ. فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللهُ. قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ. قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلانَةُ، وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ. فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَتَدْفِنَنَا. قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الحَقِّ. قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَاحِدًا وَاحِدًا، إِلَى أَنِ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، كَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّهْ، اقْتَحِمِي، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ» [أحمد وابن حبان وأبو داود، المدرى: المشط] فهل كان لفرعون أن يفعل ذلك كله إلا بجنوده وجلاديه ومأموريه؟ ولذلك فإن ما يفعله المتبوع لا يبرأ منه التابع لأنه شريك له.

وهاهم في موقف يوم القيامة، يتعارفون، ويبدأ النزاع بعد أن حصل الافتراق:

قال الله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [الأنعام: 22] هذا مما سيحصل، يقال للمشركين أين شركاؤكم الذين عبدتموهم من دون الله تعالى؟ والمعبودون منهم من أمر الناس بعبادته وفتنهم فيها، ومنهم من لا ذنب له كالملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم.

(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) [يونس: 28-30] وهنا يقال للمشركين التابعين الغاوين: قفوا مكانكم، ويحصل التفريق بينهم وبين شركائهم، فإن كان المعبود صنماً نطق وتبرأ وقال: ما كنت أدري عن عبادتهم إياي ولم أشعر بها لأني لا أسمع ولا أبصر. وإن كان الشيطان تبرأ وتحايل كعادته، فهو يقول في موضع آخر: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم: 22] ومع أنه هو الذي قال للإنسان اكفر، وهو الذي فتنه وأغواه، وهو الذي يسر له سبل الضلال والإفساد والكفر والبغي بكل ما أوتي من حيل وقدرات، إلا أن الإنسان الذي أطاعه قد أطاعه بإرادته وقدرته وليس جبراً عنه، وها هو الشيطان يتحول إلى المعلم الفاضل كما جاء في الآية السابقة وهذه الآية: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) [الحشر: 17] وإن كان المعبود نبياً أو صالحاً فلا تثريب عليه لأنه بريء منهم في الدنيا والآخرة.

أما الضعفاء فإن لهم حواراً مع الذين اتبعوهم من المستكبرين، سادة أو حكاماً أو أغنياء أو غيرهم، قال الله تعالى: (وَبَرَزُواْ لله جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) [إبراهيم: 21] فهم يسألون الذين استكبروا هل تستطيعون أن تفعلوا لنا شيئاً في هذا اليوم نظير ما كنا نتبعكم في الدنيا ونفعل ما تأمروننا به؟ فيرد الذين استكبروا: ما لنا من نجاة.

وقال جل وعلا: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سبأ: 31-33] لاحظ أن الكل مسئول والكل محاسب، ولاحظ أيضاً أن السادة يتبرؤون وهم الذين قادوا تابعيهم إلى الضلال والإفساد، أما التابعون فحدث ولا حرج، خسروا كل شيء، ولم يغن عنهم ما فعلوه لأسيادهم في الدنيا. فهم قد تبرؤوا منهم وتخلوا عنهم، ولو أنهم لم يفعلوا لما استطاعوا أن يفعلوا لأن الملك يومئذ لله سبحانه وتعالى. أي إنهم لو لم يتخلوا فإنهم مع ذلك لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً لمن اتبعهم وأشرك بهم وكان أداة طيعة بأيديهم.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.