حفاة عراة، الكساء والماء

كنا قد ذكرنا في كلمة سابقة أن الناس يحشرون حفاة عراة، والسؤال الذي يرد هنا، هل سيظل الناس في الموقف هكذا أم سيلبسون ما يسترهم؟ وإلى متى سيقفون بلا ماء؟ هذا ما سنتناوله اليوم إن شاء الرحمن جل وعلا.

ونبدأ بما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى، يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ) ويفهم من هذا الحديث كما قال سادتنا العلماء أن كل الخلائق ستكسى في ذلك اليوم.

أما كون سيدنا إبراهيم عليه السلام هو أول من يكسى في الموقف، وهو ما جاءت به النصوص، فإن هذا يطرح تساؤلاً مفروضاً وهو: هل يعني هذا أفضلية سيدنا إبراهيم على سيدنا محمد عليهما أفضل الصلاة والسلام؟ وهل سيكسى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد سيدنا إبراهيم عليه السلام أم قبله؟

قال القرطبي في التذكرة: (وقوله «أول من يكسى إبراهيم» فضيلة عظيمة لإبراهيم وخصوص له كما خص موسى عليه السلام بأن النبي صلى الله عليه وسلم يجده معلقاً بساق العرش مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكون أفضل منه مطلقاً، بل هو أفضل من وافى القيامة على ما يأتي بيانه في أحاديث الشفاعة والمقام المحمود إن شاء الله تعالى. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر في كتاب المفهم له: ويجوز أن يراد بالناس من عداه من الناس فلم يدخل تحت خطاب نفسه. والله أعلم) [التذكرة، دار الكتاب العربي]

ولابن حجر رأي في المسألة فهو يقول في الفتح: (وإنه لا يلزم من تخصيص إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا عليه الصلاة والسلام مطلقاً وقد ظهر لي الآن أنه يحتمل أن يكون نبينا عليه الصلاة والسلام خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها والحلة التي يكساها حينئذ من حلل الجنة خلعة الكرامة بقرينة إجلاسه على الكرسي عند ساق العرش فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق)

ولم يرد فيما يصح الاستدلال به من الروايات أن سيدنا محمداً عليه وآله أفضل الصلاة والسلام سيكسى بعد سيدنا إبراهيم عليه السلام، إلا أنه ورد حديث موقوف [ليس عندي علم بصحته أو ضعفه] عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه : «أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى خَلِيلُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ قُبْطِيَّتَيْنِ ثُمَّ يُكْسَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةً حِبَرَةً عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ» [رواه ابن المبارك في الزهد] وقال القرطبي في التذكرة عن قول شيخه أحمد بن عمر: (قلت: هذا حسن لولا ما جاء منصوصاً خلافه، فقد روى ابن المبارك في رقائقه … الحديث]

وقال في الفتح: (ويقال إن الحكمة في خصوصية إبراهيم بذلك لكونه ألقي في النار عرياناً وقيل لأنه أول من لبس السراويل ولا يلزم من خصوصيته عليه السلام بذلك تفضيله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة ويمكن أن يقال لا يدخل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على القول بأن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه)

وقال المناوي في فيض القدير: (أول من يكسى يوم القيامة من الخلائق على اختلاف أنواعها وطبقاتها وتباين أممها ولغاتها بعد ما يحشر الناس كلهم عراة أو الغالب أو بعد خروجهم من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة ثم يكون أول من يكسى من ثياب الجنة (إبراهيم) الخليل عليه الصلاة والسلام لأنه جرد في ذات الله حين ألقي في النار أو لأنه لم يكن أخوف لله منه فتعجل كسوته إيناساً له ليطمئن قلبه أو لأنه أول من استن السراويل مبالغة في الستر وحفظاً لفرجه فلما اتخذ هذا النوع الذي هو أستر للعورة من جميع الملابس جوزي بأنه أول من يكسى ثم يكسى المصطفى صلى الله عليه وسلم حلة أعظم من كسوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة فيكون كأنه كسي معه فلا تعارض بينه وبين الخبر المار أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى) [فيض القدير المناوي، دار المعرفة]

أما عن الماء فقد وردت روايات استدل بها العلماء على أن ثمة أحواضاً للأنبياء تفجر في الموقف ليشرب منها الناس ومنها أول حوض لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهناك تفصيل في حوض الكوثر المشهور نرجئه لاحقاً مع بحث كامل لمعنى كلمتي حوض وكوثر إن يسر الرحمن جل وعلا.

قال القرطبي في التذكرة: (والصحيح أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنة وكلاهما يسمى كوثراً على ما يأتي، والكوثر في كلام العرب: الخير الكثير، واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر، فقيل: الميزان قبل، وقيل: الحوض. قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل.

قلت: والمعنى يقتضيه فإن الناس يخرجون عطاشاً من قبورهم كما تقدم، فيقدم قبل الصراط والميزان والله أعلم، وقال أبو حامد في كتاب كشف علوم الآخرة، وحكى بعض السلف من أهل التصنيف: أن الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله. قال المؤلف: هو كما قال. وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال «بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت ما شأنهم فقال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة أخرى حتى إذا عرفتهم خرج من بيني وبينهم رجل فقال لهم: هلم فقلت إلى أين؟ قال إلى النار والله. قلت: ما شأنهم قال إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم» .

قلت: فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط، لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عليه، فمن جازه سلم من النار على ما يأتي، وكذا حياض الأنبياء عليهم السلام تكون أيضاً في الموقف على ما يأتي.

وروي «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي الله تعالى هل فيه ماء؟ قال: أي والذي نفسي بيده إن فيه لماء وإن أولياء الله تعالى ليردون حياض الأنبياء ويبعث الله سبعين ألف ملك بأيديهم عصي من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء» [التذكرة في أحوال الآخرة، دار الكتاب العربي]

وقال ابن كثير في النهاية: (عن أبي هريرة، قال: يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً، شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ فَيُلْجِمُهُمُ الله الْعَرَقُ مِنْ شِدَّةِ الْكَرْبِ، ثُمَّ يُقَالُ اكْسُوا إِبْرَاهِيمَ، فَيُكْسَى قُبْطِيَّتَيْنِ مِنْ قَبَاطِيِّ الْجَنَّةِ، قَالَ: ثُمَّ يُنَادَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُفَجَّرُ لَهُ الْحَوْضُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: فَيَشْرَبُ وَيَغْتَسِلُ، وَقَدْ تَقَطَّعَتْ أعناق الخلائق يومئذ من العطش) فتفجير الأحواض يكون بعد الكسوة، وقال: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَلْ فِيهِ مَاءٌ؟ قَالَ: «إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ فِيهِ لَمَاءً، إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَيَرِدُونَ حِيَاضَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ فِي أَيْدِيهِمْ عِصِيٌّ من نار يذودون الكفار عن حياض الأنبياء» . وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَتَقَدَّمَ مَا رواه الترمذي وغيره من حديث شعبة بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سمرة بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَاهُ أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الملك عن الحسن مرسلاً وهو أصح) [النهاية في الفتن والملاحم، دار الحديث]

اللهم اسقنا من حوض سيدنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تحرمنا في ذلك اليوم يا رب العالمين.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.