تطاير الصحف واستلام الكتب لبدء الحساب

لكل إنسان كتاب تسجل فيه أعماله، قال تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء: 13-14]، ولن يضيع شييء فكل شيء محسوب بدقة، قال عز وجل: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) [القمر: 53] ومن عدل الله تعالى أن كل إنسان يقرأ كتابه بنفسه، ومن كان أمياً في الدنيا لا يحسن القراءة فإنه في ذلك اليوم يحسنها وقد ذكرنا في كلمة سابقة عن اختلاف المقاييس في الآخرة عن الدنيا، أرجو الاطلاع عليها.

أما الكتب وما كتب فيها فقد تضافرت فيها الأدلة:

قال تعالى:

(فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) [الأنبياء: 94]

(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (7) كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانشقاق: 7 – 8]

(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) [يس: 12]

)أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ( [الزخرف: 80]

هذه الكتب تسجل فيها كل أعمال الإنسان كبيرة كانت أو صغيرة، فلا يضيع شيء، وتظل صحيفة المرء مفتوحة للكتابة ولا تطوى إلا في ساعة موته، كما قال سادتنا جمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: 10] إذ تنشر هذه الصحف بعد طيها.

قال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: 49] فهم يتعجبون من هذا الكتاب الذي لم تفته الصغيرة قبل الكبيرة، وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية يقول: (يا ويلتنا، ضجوا إلى الله من الصغائر قبل الكبائر) [التذكرة للقرطبي] وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من محقرات الذنوب فقال: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ) [أحمد والطبراني] فهذه الأعواد على حقارتها وضآلتها أشعلت ناراً. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَقَّرَاتِ، يَكْذِبُ الْكَذْبَةَ، وَيُذْنِبُ الذَّنْبَ، وَيَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) [جامع معمر بن راشد] .

وفي الموقف وقبل بدء الحساب وقبل الميزان، توزع الكتب لأصحابها، فيقبض كل كتابه بيده تمهيداً للحساب، والناس في ذلك على ثلاثة صور: من يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذه بشماله، ومن يأخذه وراء ظهره. أما في هذه اللحظة فإن الجميع ينتظر كتابه ولا يدري أين سيكون، وعنها يحدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما ترويه أم سلمة رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً. فقلت: يَا رَسُولَ اللهِ، واسوأتاه، ينظر بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: شُغُلُ النَّاسِ. قُلْتُ: مَا شَغَلَهُمْ؟ قَالَ: نَشْرُ الصَّحَائِفِ فِيهَا مَثَاقِيلُ الذَّرِّ، وَمَثَاقِيلُ الْخَرْدَلِ) [الطبراني في الأوسط والكبير وفي الكبير: الصحف]

أما كيف يستلم كل صحيفة أعماله، فقد ورد في كتاب الله تعالى أن الله يخرج هذه الكتب فيستلمها كل إنسان حسب الصور التي ذكرناها، أما إخراج الكتب ففي قوله تعالى: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا) وأما استلام الكتاب ففي قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ) [الحاقة: 19] وقوله عز وجل: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ) [الحاقة: 25] وقوله تبارك وتعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا) [الانشقاق10-11] .

أما عن كيفية استلام الكتاب باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر، فقد ورد في السنة أن ثمة لحظة تتطاير فيها الصحف، ويحصل الاستلام: عَن الحسنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ) [الترمذي وأحمد، وقال الترمذي لا يصح لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة، وقد ذكر ملا علي القاري في المرقاة: لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ: الْحَسَنَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ وَبَيْنَهَا قَالَ: وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَلَمْ يُخْرِجْ لِلْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا نَقَلَهُ مَيْرَكُ. أَقُولُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إِخْرَاجِ مُسْلِمٍ حَدِيثَهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ; إِذْ شَرْطُ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ تَحَقُّقُ اللُّقَى وَلَوْ مَرَّةً أَقْوَى مِنْ شَرْطِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مُجَرَّدُ وُجُودِ الْمُعَاصَرَةِ] وميرك هو نسيم الدين محمد بن ميرك شاه الحنفي من علماء القرن العاشر.

وعن الحسن عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا فِي ثَلَاثِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الْكُتُبِ حَتَّى يُقَالَ: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وَضَعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ حَافَّتَاهُ كَلَالِيبُ كَثِيرَةٌ وَحَسَكٌ كَثِيرٌ يَحْبِسُ اللَّهُ بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَنْجُو أَمْ لَا) [رواه الحاكم وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَوْلَا إِرْسَالٌ فِيهِ بَيْنَ الْحَسَنِ وَعَائِشَةَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَاتُ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَدْخُلُ وَهُوَ صَبِيٌّ مَنْزِلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأُمِّ سَلَمَةَ]

أما عن تطاير الصحف من تحت العرش إثر ريح تأتي عليها فإنه لم يرد فيه شيء صحيح وقد أورد العقيلي في الضعفاء حديثاً عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْكُتُبُ كُلُّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَإِذَا كَانَ الْمَوْقِفُ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فَتَطِيرُ بِالْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ، أَوَّلُ خَطٍّ فِيهَا {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] وقال: يغنم بن سالم عن أنس منكر الحديث.

وأختم بهذا القول الجميل لرابعة العدوية رحمها الله: (مَا رَأَيْتُ ثَلْجًا قَطُّ إِلَّا ذَكَرْتُ تَطَايُرَ الصُّحُفِ، وَلَا رَأَيْتُ جَرَادًا قَطُّ إِلَّا ذَكَرْتُ الْحَشْرَ، وَلَا سَمِعْتُ أَذَانًا قَطُّ إِلَّا ذَكَرْتُ مُنَادِيَ الْقِيَامَةِ قَالَتْ: وَقُلْتُ لِنَفْسِي: كُونِي فِي الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ الطَّيْرِ الْوَاقِعِ حَتَّى يَأْتِيَكِ قَضَاؤُهُ) [البيهقي في الشعب والزهد الكبير]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.