56) اليمين والشمال ووراء الظهر!

قد يسأل سائل عن الفرق بين من يؤتى كتابه بيمينه وبشماله ومن يؤتاه وراء ظهره؟ فلننظر في الآيات:

أما الآيات التي وردت فيمن يؤتى كتابه بيمينه فهي:

قال تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) [الإسراء: 71]

وقال جل وعلا: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة 19-24]

وقال عز وجل: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا) [الانشقاق: 7-9]

وأما الآية التي وردت فيمن يؤتى كتابه بشماله:

قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ 27 مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الحاقة: 25-34]

ووردت آية فيمن يؤتاه وراء ظهره:

قال الله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) [الانشقاق: 10-15]

وقد بحثت في كتب المفسرين عسى أن أجد ما يفيد في التفريق بين الشمال ووراء الظهر، فوجدت أن أغلبهم يعتبرون الحالتين حالة واحدة، وأن من يؤتى كتابه وراء ظهره فإنما يؤتاه بشماله إذ تُلفّ شماله وراء ظهره أو تنخلع فتغرز في بطنه لتخرج من ظهره. فهو اختلاف في كيفية تناول الكتاب، قال الطبري: (وأما من أعطي كتابه منكم أيها الناس يومئذ وراء ظهره، وذلك أن جعل يده اليمنى إلى عنقه، وجعل الشمال من يديه وراء ظهره، فيتناول كتابه بشماله وراء ظهره، ولذلك وصفهم جل ثناؤه أحياناً، أنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم، وأحياناً أنهم يؤتونها من وراء ظهورهم) [جامع البيان عن تأويل القرآن، مؤسسة الرسالة] وقال النعماني: (فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في سورة الحاقة: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة: 25] ، فكيف قال هنا: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ} ؟ فالجواب: أنَّه يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره) [اللباب في علوم الكتاب، دار الكتب العلمية]

أما من ناحية اللغة فإن هناك فرقاً بين الشمال ووراء الظهر، فاليمين والشمال ظاهرتان غير مخفيتان، أما وراء الظهر فتطلق ويقصد بها الاستهانة والاستخفاف كقوله تعالى: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا) وكذلك تعطي معنى الإخفاء كقول العرب (أقران الظهر) وهم الذين يجيؤون في الحرب من الخلف فلا يراهم المقاتل.

وقد فرق الإسفرائيني في لوامع الأنوار بين الحالات الثلاث فقال: (يُعْطَى الْكَافِرُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ بِأَنْ تُخْلَعَ أَوْ يُدْخِلَهَا مِنْ صَدْرِهِ أَوْ تُلْوَى، وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ أَمَامِهِ، وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ أَمَامِهِ) ولعله أخطأ في حالة العاصي لأن الله تعالى أخبر عن الذي يأخذ الكتاب بشماله أنه لا يؤمن بالله فقال: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ) فهو بحسب الآية كافر وليس مؤمناً عاصياً، وقد رد الإسفرائيني على نفسه في هذه فقال: (وَقَدْ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْفَاسِقَ الَّذِي مَاتَ عَلَى فِسْقِهِ دُونَ تَوْبَةٍ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ حَكَى قَوْلًا بِالْوُقُوفِ قَالَ: وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِشِمَالِهِ. وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عمر مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: اخْتُلِفَ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، فَقِيلَ: يَأْخُذُونَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَقِيلَ بِشَمَائِلِهِمْ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا بِأَيْمَانِهِمْ قِيلَ: يَأْخُذُونَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النَّارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى عَدَمِ خُلُودِهِمْ فِيهَا، وَقِيلَ يَأْخُذُونَهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)

وهذا ما ذهب إليه أبو عثمان النهدي فيما رواه ابن المبارك عنه في الزهد: (وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ فِي سَتْرٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ حَسَنَاتِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) يؤيد هذا ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنه أنه سُئل عن النجوى، فقال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)

وَأَخْرَجَ مَكِّيٌّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ قَالَ: يُؤْتَى الْعَبْدُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُقْرِئُ النَّاسَ حَسَنَاتِهِ ثُمَّ يَحُلُّ الصَّحِيفَةَ فَيُحَوِّلُ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا النَّاسُ فَيَقُولُونَ: مَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ مِنْ سَيِّئَةٍ» فَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} أَهْلُهُ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ) [لوامع الأنوار البهية، مؤسسة الخافقين ومكتبتها] وهذا يدل على أن العاصي يأخذ كتابه بيمينه مثل الطائع.

أما حالة الشمال ومن وراء الظهر، فقد أسلفت أن جمهور المفسرين اعتبروهما حالة واحدة، وقد وجدت في المحلى رأياً لابن حزم في التفريق أذكره لكم للفائدة: (مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّ النَّاسَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَالْمُؤْمِنُونَ الْفَائِزُونَ الَّذِينَ لَا يُعَذَّبُونَ يُعْطَوْنَهَا بِأَيْمَانِهِمْ؛ وَالْكُفَّارُ بِأَشْمَلِهِمْ وَالْمُؤْمِنُونَ أَهْلُ الْكَبَائِرِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) [المحلى لابن حزم تحقيق أحمد شاكر، إدارة الطباعة المنيرية] .

وللبقاعي رأي أشار فيه إلى أمر آخر وهو الإخفاء، وهو أن من يؤتى كتابه وراء ظهره كأنه كان يخفي حقيقته، قال رحمه الله: ({وأما من أوتي} أي بغاية السهولة وإن أبى هو ذلك {كتابه} أي صحيفة حسابه {وراء ظهره} أي في شماله إيتاء مستغرقاً لجميع جهة الوراء التي هي علم السوء لأنه كان يعمل ما لم يأذن به الله، فكأنه عمل من ورائه مما يظن أنه يخفى عليه سبحانه، فكان حقيقاً بأن تغل يمينه إلى عنقه، وتكون شماله إلى وراء ظهره، ويوضع كتابه فيها، وهذا احتباك: ذكر اليمين أولاً يدل على الشمال ثانياً، وذكر الوراء ثانياً يدل على الأمام أولاً، وسر ذلك أنه ذكر دليل المودة والرفق بالمصافحة ونحوها في السعيد، ودليل الغدر والاغتيال في الشقي) [البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي] ولو نظرنا في الآيات التي تتكلم عمن يأخذ كتابه بشماله تجده فيها ظاهر الكفر، بعدم إيمانه وبأعماله، ومن يؤتى كتابه بيمينه هو المؤمن بلا خلاف، وهو ظاهر الإيمان في الدنيا، أما من يؤتاه وراء ظهره فلم تذكر الآيات إلا ما يشير إلى أنه كان مسروراً في أهله، وأنه ظن أن لن يحور أي لن يرجع، ثم يختمها الله بقوله (بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ) أي إن ربه كان عالماً بحقيقته، التي كان يخفيها حسب ما أشار البقاعي، ويمكن أن يفهم من هذا كله أن هذا الصنف قد يكون المنافق، ونحن نعلم أن الناس ثلاثة: مؤمن وكافر ومنافق، كما صنفهم الله تعالى في أول البقرة.

وأخيراً أختم بهذه الأبيات الجميلة المعبرة المبكية لابن المبارك رحمه الله:

قَدْ طَارَتِ الصُّحْفُ فِي الأَيْدِي مُنَشَّرَةً ،،،، فِيهَا السَّرَائِرُ وَالْجَبَّارُ مُطَّلِعُ

فَكَيْفَ سَهْوُكَ وَالأَنْبَاءُ وَاقِعَةٌ ،،،، عَمَّا قَلِيلٍ وَلا تَدْرِي بِمَا تَقَعُ

إِمَّا الْجِنَانُ وَعَيْشٌ لا انْقِضَاءَ لَهُ ،،،، أَمِ الْجَحِيمُ فَلا تُبْقِي وَلا تَدَعُ

تَهْوِي بِسُكَّانِهَا طَوْرًا وَتَرْفَعُهُ ،،،، إِذَا رَجَوْا مَخْرَجًا مِنْ غَمِّهَا قُمِعُوا

لِيَنْفَعِ الْعِلْمُ قَبْلَ الْمَوْتِ عَالِمَهُ ،،،، قَدْ سَالَ قَوْمٌ بِهَا الرُّجْعَى فَمَا رَجَعُوا

[حلية الأولياء لأبي نعيم، والتذكرة للقرطبي]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.