57) الحساب

من أسماء يوم القيامة؛ يوم الحساب، قال تعالى: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) [ص: 53] وقال جل وعلا: (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) [غافر: 27] وذلك لوجود الحساب فيه، ولأنه كما أسلفنا في كلمة سابقة، فإن يوم القيامة سمّى بأحداثه، فهو يوم الخروج ويوم الدين وغيرها من الأسماء.

بعد توزيع الكتب، وبعد أن يستلم كلٌّ كتابه إما بيمينه وإما بشماله وإما وراء ظهره، يبدأ حساب الخلق، فما هو الحساب؟

أصل الحساب هو العدّ، وفيه قوله تعالى: (لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) [يونس: من 5] ومن هذه الكلمة اشتُقت كل معاني الحساب؛كالحِسبان بمعنى الظن وهو أن يعدّ المرء أموراً كائنة، والحسَب وهو أن يعد الإنسان مفاخر آبائه كما قال العرب، وغيرها من المعاني، والمعنى الذي نريده هنا هو العدّ من العدد، فالحساب هو أن يوقف الله تعالى عباده فيعلمهم كل ما قاموا به من أعمال في الدنيا وهي الأقوال والأفعال، ويسألهم عما قاموا به (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر: 92-93] ثم يجزيهم بما يشاء سبحانه وتعالى، لأن الحساب كما قلنا هو العدّ، فهو عد الأشياء التي يجازى عليها، ومنه المكافأة والجزاء قال تعالى: (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ) [الشعراء: 112-113] .

والحساب لله تعالى وحده وليس لأحد من خلقه؛ هو الذي يحاسب، وهو سبحانه الذي يقضي، وهو الذي يأمر؛ قال عز وجل: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله) [الانفطار: 17-19] وهو سبحانه الذي يغفر ويعذب، ويدخل الجنة من يشاء ويدخل النار من يشاء.

أما الذين عبدوا غير الله ودعوهم في الدنيا وزعموا أنهم ينفعونهم ويضرونهم فإنهم سيخيب ظنهم في يوم الحشر، قال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) [الأحقاف: 5-6] وقال جلّ وعلا: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) [الأعراف: 197-198] .

فالله تعالى هو الذي يحاسب وحده ولا يحاسب الخلقَ غيرُه، قال تعالى: (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ) [الشعراء: 112-113] (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) [الغاشية: 25-26] أما الرسل عليهم السلام فعملهم البلاغ وليس الحساب قال جلّ وعلا: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) [الرعد: من 40] فالحساب على الله تعالى، وما يجري بين الخلق في ذلك اليوم ليس حساباً وإنما تقاضياً والذي يحكم بينهم هو رب العزة عز وجلّ.

والله جل وعلا سريع الحساب؛ قال تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَالله سَرِيعُ الْحِسَابِ) [البقرة: 202] وقال جلّ وعلا: (وَالله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [الرعد: من 41] قال الطبري: (وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَنَّهُ مُحِيطٌ بِعَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا اللَّذَيْنِ مِنْ مَسْأَلَةِ أَحَدِهِمَا: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا؛ وَمَنْ مَسْأَلَةِ الْآخَرِ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ؛ فَمَحَصَّ لَهُ بِأَسْرَعِ الْحِسَابِ، ثُمَّ إِنَّهُ مُجَازٍ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ عَلَى عَمَلِهِ. وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسَهُ بِسُرْعَةِ الْحِسَابِ، لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ يُحْصِي مَا يُحْصَى مِنْ أَعْمَالِ عِبَادِهِ بِغَيْرِ عَقْدِ أصَابِعٍ وَلَا فِكْرٍ وَلَا رَوَيَّةِ فِعْلِ الْعَجَزَةِ الضَّعَفَةِ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِيهِمَا، ثُمَّ هُوَ مُجَازٍ عِبَادَهُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ امْتُدِحَ بِسُرْعَةِ الْحِسَابِ، وَأَخْبَرَ خَلْقَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ بِمِثْلٍ فَيَحْتَاجُ فِي حِسَابِهِ إِلَى عَقْدِ كَفٍّ أَوْ وَعْيِ صَدْرٍ) [تفسير الطبري، أحمد ومحمود شاكر، مؤسسة الرسالة] .

قال سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَالله سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور: 39] قال الطبري في تفسيره: (فَكَذَلِكَ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي غُرُورٍ، يَحْسِبُونَ أَنَّهَا مُنْجِيَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عَذَابِهِ، كَمَا حَسِبَ الظَّمْآنُ الَّذِي رَأَى السَّرَابَ، فَظَنَّهُ مَاءً يَرْوِيهِ مِنْ ظَمَئِهِ؛ حَتَّى إِذَا هَلَكَ وَصَارَ إِلَى الْحَاجَةِ إِلَى عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَرَى أَنَّهُ نَافِعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، لَمْ يَجِدْهُ يَنْفَعُهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَمَلُهُ عَلَى كُفْرٍ بِاللَّهِ، وَوَجَدَ اللَّهَ هَذَا الْكَافِرُ عِنْدَ هَلَاكِهِ بِالْمِرْصَادِ، فَوَفَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِسَابَ أَعْمَالِهِ الَّتِي عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا، وَجَازَاهُ بِهَا جَزَاءَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مِنْهُ) [تفسير الطبري، هجر للطباعة] .

وقبل أن ندخل في تفصيلات الحساب، نذكّر بعضنا بقول جميل للحسن البصري: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ) [الزهد لابن المبارك ومصنف ابن أبي شيبة]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.