58) الحساب العسير واليسير

هناك حساب عسير وحساب يسير، فأما الحساب العسير فهو الذي يتبعه سوء العاقبة لما قدم المحاسَب في دنياه مما يستحق الآخرة السيئة عليه.

والذين أدركوا أن كل صغيرة وكبيرة حاضرة، قال الله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: 49] وقوله عز وجل: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَالله رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 30] فإنهم يخافون سوء هذا الحساب، لأن الله تعالى أخبرهم في الدنيا عن ذلك؛ قال تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [الرعد: 18] وقال عز من قائل: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ) [الرعد: 21] .

والحساب العسير كما بينه لنا سيدنا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام هو مناقشة الحساب؛ فقد جاء في الحديث الشريف أن من نوقش الحساب فقد هلك، أو عُذّب؛ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ» قَالَتْ عائشة: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} قَالَ عليه الصلاة والسلام: «ذَلِكِ العَرْضُ» [البخاري وغيره]

قال عليه وآله الصلاة والسلام: (عن نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} قَالَتْ: فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ» [البخاري وغيره]

قال القاضي عياض: (وقوله: من نوقش الحساب عُذِّب، أى مَنْ استقصى عليه، قال الهروى: يقال: انتقشت منه حقى: أى استقصيته منه، ومنه: نقش الشوكة، وهو استخراجها. ولقوله: عذب معنيان: أحدهما: أن نفس مناقشة الحساب، وعرض الذنوب، والتوقيف على قبيح ما سلف له تعذيب وتوبيخ. والثانى: أنه مفض إلى استحقاق العذاب. إذ لا حسنة للعبد يعملها إلا من عند الله وتفضله، وإقراره له عليها، وهدايته لها، وأن الخالص لوجهه تعالى من الأعمال قليل. ويؤيد هذا التأويل قوله فى الرواية الأخرى: هلك مكان عذب) [إكمال المعلم بفوائد مسلم، 8/407 ، دار الوفاء]

وقال النووي: (معنى نوقش استقصى عليه قال الْقَاضِي وَقَوْلُهُ عُذِّبَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نَفْسَ الْمُنَاقَشَةِ وَعَرْضَ الذُّنُوبِ وَالتَّوْقِيفَ عَلَيْهَا هُوَ التَّعْذِيبُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى الْعَذَابِ بِالنَّارِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هَلَكَ مَكَانَ عُذِّبَ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ التَّقْصِيرَ غَالِبٌ فِي الْعِبَادِ فَمَنِ اُسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَامَحْ هَلَكَ وَدَخَلَ النَّارَ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْفُو وَيَغْفِرُ مَا دُونَ الشِّرْكِ لِمَنْ يَشَاءُ) [شرح مسلم، 17/209، المطبعة المصرية بالأزهر]

فمن يعرض عليه حسابه يقال له عملت كذا وكذا، ومن يناقش الحساب يقال له: لم عملت كذا وكذا.

والكل سيحاسب، لأن الحساب كما قلنا هو العدّ والإحصاء أما الجزاء فيكون بعد الميزان كما سيأتي إن يسر الرحمن عز وجل، فلا يقال: لم يحاسب الكفار وهم سيدخلون النار لا محالة؟ أو ما هي فائدة الحساب؟

بل يحاسبون وتحصى أعمالهم، وهذا من عدل الله تعالى في عباده؛ قال عز وجل: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: من 40] وقال سبحانه: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47] فالله تعالى حرم الظلم على نفسه كما جاء في الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا . . الحديث) [مسلم وغيره] ولذلك فإن الكل سيحاسب، وسيرى أمامه كل ما عمله في الدنيا.

ومن ناحية ثانية فإن الكفار أنفسهم وكذلك العاصين ممن يدخلون النار ليسوا على حالة واحدة، بل النار دركات كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأهل النار في أنواع من العذاب تختلف عن بعضها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

جزاكم الله خيرا هذا ما كنت اعرفه ان الكل سوف يحاسب حتى ولو ذهبت الحج ولو صليت ابام عرفة ولا اعتقد انه كما يقولون من حج رجع كيوم ولدته أمه وتوقف الحديث بعد ذلك وأما ثوم عرفه فصومه ان الله يغفر له سنة سابقة وسنة لاحقة وأني اقول ان هذا ضعيف او إسرائيلي والله اعلم

تعليق ابراهيم بتاريخ 23 سبتمبر، 2017

أشكر الأخ إبراهيم على تعليقه وتواصله، وسأرد عليه لاحقاً إن شاء الله تعالى

تعليق مدونة وارثون بتاريخ 30 سبتمبر، 2017

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.