تعليق ورد في موضوع الحساب العسير واليسير

علق الأخ إبراهيم مشكوراً على كلمة الحساب العسير، وأحببت أن أنشر الرد عليه للجميع لتعم الفائدة والله الموفق:

تعليق الأخ إبراهيم:

(جزاكم الله خيراً هذا ما كنت أعرفه أن الكل سوف يحاسب حتى ولو ذهبت الحج ولو صليت أيام عرفة ولا أعتقد أنه كما يقولون من حج رجع كيوم ولدته أمه وتوقف الحديث بعد ذلك وأما صوم عرفة فصومه أن الله يغفر له سنة سابقة وسنة لاحقة وأني أقول إن هذا ضعيف أو إسرائيلي والله أعلم) اهـ

أشكر الأخ إبراهيم على تواصله وتعليقه، وكم سعدت بهذا التعليق لأن من شأن التعليقات في المدونة أن تفتح الآفاق للازدياد في العلم، والرد على الشبهات.

أما ردي على تعليق الأخ إبراهيم فهو:

– لا بد من الإشارة إلى أمر بينته الكلمة وهو الفرق بين الحساب والجزاء، فالحساب هو عدّ الأعمال التي قام بها العبد في الدنيا وإحصاؤها، أما الجزاء فهو الثواب أو العقاب على هذه الأعمال.

– لا بد أن نفرق بين الحساب وبين المغفرة والرحمة وفضل الله تعالى على عباده، أما الذين كفروا بالله تعالى فإن هؤلاء لا يفيدهم ما يقومون به من أعمال لأنهم نسفوا كل ما عملوه؛ قال الله تعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) [إبراهيم: 18] وقال عز وجل: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا 21 يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: 21-23]

فهم نسفوا أعمالهم بالكفر الذي لا يُغفر؛ قال الله تعالى: (إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء: 48] وقال عز وجل: (إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا) [النساء: 116] وقال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المائدة: 72-74]

فهم اختاروا لأنفسهم أن يحرموها من المغفرة والرحمة وهذا شأنهم. ولذلك فإنهم يحاسبون ويجزيهم الله تعالى وفق ما عملوا بلا ظلم (جزاء وفاقاً) [النبأ: 26] أي وافق جزاؤهم أعمالهم بلا ظلم ولذلك تختلف أحوالهم في النار.

– أما المؤمنون الذين أقروا لله تعالى بالتوحيد ولم يشركوا به، فشأنهم يختلف عن الكفار، وهؤلاء يغفر الله تعالى لهم ذنوبهم، وما أنكرته أخي عن صوم عرفة وغيره مما اعتبرته من الإسرائيليات يوجب التصحيح؛ لأن الإسرائيليات ليست أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام التي رويت عنه ولو بأسانيد ضعيفة، ولا علاقة لأحاديث الرسول الكريم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام بالإسرائيليات، لأن الإسرائيليات هي ما روي عن أهل الكتاب كاليهود بشكل أخص والنصارى فيما يتعلق بالحوادث والتاريخ وغيرها، وللعلماء آراء وبحوث في قبولها أو ردها، وهي على كل حال ترد في كتب التفسير وليس في كتب الحديث أو في كتب الفقه.

فما يتعلق بصوم عرفة الذي ذكرته في تعليقك جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [مسلم وغيره] ومثله قوله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» [مسلم وغيره]

وكان يكفيني أن أرد عليك بالقرآن الكريم بما يوضح اللبس لك ويبعد الشبهة عنك، خاصة وقد بدا عليك رفض الحديث، إلا أنني لم أفعل لأنه لا يصلح في الإسلام فصل الكتاب عن السنة، بل لا بد من جمع الأدلة من المصدرين الشرعيين، ولأن موجة إنكار السنة النبوية قد هاجت وماجت في السنوات الأخيرة، وأي استدلال بالقرآن الكريم للرد على أي أمر دون السنة النبوية يصب في أهداف إنكارها، ولا يصح لمن ينافحون عنها، بل لا بد من الجمع بين أدلة المصدرين لا سيما أنه لا يوجد تعارض بين المصدرين لأن المشرع واحد، بل يزول ما يبدو تعارضاً بجمع الأدلة والنظر فيها ثم إعطاء الرأي وهذا ما يقوم به العلماء المقتدرون المخلصون الذين تحكم الواحدَ فيهم نفسيةُ التجرد في التلقي، والصدقِ في الإلقاء.

وعوداً لما سبق فإن الله تعالى تفضل على عباده المؤمنين -بخلاف الكافرين- برحمته وإحسانه وجزيل عطائه- فهو يغفر لهم ذنوبهم كما يشاء سبحانه، ذلك أنهم آمنوا به واختاروا عبادته وطاعته، ولكنهم كبشر يخطئون ويصيبون، يطيعون ويعصون، ولذلك فإنهم يندمون ويستغفرون على ما عملوه من معاصي مع إيمانهم بالله تعالى، فيغفر الله لهم إذا شاء سبحانه وتعالى وهنا يمحو الذنب فلا يعود له وجود أي يصبح كأن لم يكن، وهذا يكون في الدنيا عندما يذنب المؤمن ثم يستغفر ربه ويتوب إليه؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران: 135-136] وقال عز وجل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) [الزمر: 53-54] وقال سبحانه: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 17-18]

– هذا عن المغفرة أما التفضل منه سبحانه وتعالى فقد شاء جل وعلا أن يجعل الحسنة بعشر أمثالها؛ قال سبحانه وتعالى: (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [الأنعام: 160]

– وشاء جل وعلا أن يضاعف دون ذكر العدد؛ قال عز وجل: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَالله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245] وقال سبحانه وتعالى عما يشركون: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَالله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 261]

– وشاء سبحانه وتعالى أن يكون الأجر بغير حساب أي غير معدود؛ كما جاء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: من 10]

– ومن ذلك أيضاً تكفير السيئات؛ قال تعالى: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [البقرة: 271] وقال عز وجل: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان: 70]

وهذا كله متناسق تماماً مع ما ورد في الأحاديث النبوية، بل فيه ما يزيد عليها وبخاصة ما يتعلق بتبديل السيئات حسنات لأنه لا يعني عدم احتساب السيئة فحسب؛ بل احتسابها حسنة وفيه حديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» [البخاري وغيره]

ففي القرآن تتحول السيئة إلى حسنة وفي الحديث كذلك مع اختلاف الصور.

فلا وجه لاعتراضك أخي الكريم على حديث صوم عرفة وغيره، لأنه من الشرع أولاً ولأنه متوافق مع ما ورد من الأدلة في هذا الموضوع، فقد ورد في القرآن الكريم أن ثمة ذنوباً تُغفر ولا يحاسب عليها المذنب، وأخرى تتحول إلى حسنات، وثمة حسنات تضاعف. وهذا من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين.

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: (مَا أُحِبُّ أَنَّ حِسَابِي جُعِلَ إِلَى وَالِدِي، رَبِّي خَيْرٌ لِي مِنْ وَالِدِي) [شعب الإيمان للبيهقي]

اللهم عاملنا بفضلك لا بعدلك وبإحسانك لا بميزانك، وبما أنت أهله لا بما نحن أهله.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.