التوازن

الحياة الدنيا حياة مؤقتة لا بد من المرور فيها للدخول إلى الحياة الحقيقية وهي الآخرة، وهذا ما يجب أن يكون على البال دائماً.

لنتصور شخصين جالسين في محطة قطار فيقوم الأول ويركب القطار، ونسأل الثاني لم لم تركب القطار؟ فيجيب: هذا ليس قطاري ولذلك فأنا أنتظر دوري.

ركب الأول ورحل، ولكن الثاني ينتظر دوره ليرحل، إذن ففكرة الانتظار موجودة في الذهن ولم تغب عن البال أبداً، والمحطة هي الدنيا -الحياة المؤقتة- والقطار هو الموت والمحطة القادمة هي الآخرة -الحياة الدائمة- . هؤلاء ذكرهم الله تعالى بأبدع صورة في هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23] ومنهم من ينتظر، سبحان الله، تخيل نفسك تعيش في الدنيا منتظراً موتك، ماذا يكون حالك؟

لما حضرت أحمد بن خضرويّة الوفاة قال لابنه: (يا بنيّ، بابٌ كنت أدقّه خمساً وتسعين سنةً هو ذا يفتح السّاعة لي، لا أدري أيفتح بالسّعادة أو بالشّقاوة) [العاقبة في ذكر الموت]

ومثل هذا جماعة سافروا لوليمة كبرى تنتظرهم، فيجوعون في الطريق ولكنهم لا يأكلون إلا ما يسد رمقهم ويعينهم على المسير، لماذا؟ لأن الوليمة بانتظارهم وهم لا يريدون تفويتها ولعل سيدنا سلمان رضي الله عنه ينطق بهذا عندما حضرته الوفاة وقد أتاه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعوده فجعل سلمان يبكي، فقال سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الله، أجزعا من الموت؟ اذكر صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واذكر المشاهد الصالحة، واذكر القدم في الإسلام، واذكر، واذكر، فقال سلمان: أما والله ما أبكي واحدة من ثنتين: ما أبكي على شيء تركته من الدنيا، ولا كراهة من لقاء ربي ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فقال: ألا ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب وحولي هذه الأزواد. وقيل: إنّما كان حوله إجانة وجفنة إكافاً ومتاعاً قوّم نحواً من عشرين درهماً. [إتحاف الخيرة المهرة، والطبراني، إجانة: إناء تغسل فيه الثياب، جفنة: قصعة يوضع فيه الأكل، إكاف: البرذعة التي توضع على ظهر الحمار] وهذا سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يعلمنا ذلك فيما رواه جعفر بن سليمان قال: (دخل رجل على أبي ذر فجعل يقلب بصره في بيته فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: لنا بيت نوجه إليه صالح متاعنا. قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت ها هنا. قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه) [صفة الصفوة لابن الجوزي] .

والحياة الدنيا مزرعة الآخرة إن صح التعبير، يبين لنا هذا واحد من خيرة من رباهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا معاذ بن جبل لما حضرته الوفاة قال: انظروا هل أصبحنا؟ فقيل: لم نصبح. فظل يسألهم حتّى أتى الصّبح، فقيل له: قد أصبحنا. فقال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النّار. ثمّ قال: مرحباً بالموت زائر مغيب، وحبيب جاء على فاقة، اللهمّ إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهمّ إنّك تعلم أنّي لم أكن أحبّ الدّنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشّتاء، ومكابدة السّاعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر» ثم قبض. [حلية الأولياء، والمحتضرين لابن أبي الدنيا، فاقة: حاجة، كري الأنهار: حفرها]

هذا هو الأصل الذي لا يصح الخروج عنه، وهو أن ينظر للحياة الدنيا من خلال الآخرة وهو الذي يحقق التوازن المطلوب على أن تكون كفة الآخرة هي الراجحة، ولم لا؟ وهي الأصل وما الحياة الدنيا إلا محطة لها.

فالأصل إذن أن يكون العيش في الدنيا من أجل الآخرة، ولأنه عيش فإنه يقتضي أعمالاً لا تستقيم الحياة بدونها، وهنا يظهر التوازن الذي يبينه حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ) [أحمد والبزار وابن حميد] فتعمير الأرض ورعايتها ومن عليها بمنهج الله تعالى أمر مطلوب وهو إحياء الحياة الدنيا ولكنه يصب أيضا في الحياة الآخرة. وهذا التوازن لمن يفهمه ويحسن التصرف حسبه موجود في كل شيء، ولا بد منه كي تستقيم الحياة.

أما التذكير الدائم بزوال الحياة الدنيا ودوام الآخرة فإن أهميته تكمن في أن الطبيعة الإنسانية تميل إلى كل ما يمتعها ويشعرها بالراحة والرفاه، ألا ترى المريض يأكل ما يضره وهو يعلم أنه يضره، وذلك لمجرد أن يتمتع بما يأكله، مع أنه يعلم أنها متعة آنية ويعلم أيضا أن ثمة ألماً سيعقبها.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لمّا خَلق اللهُ الجنة قال: يا جبريل، اذهب فانظر إِليها، فذهب فنظر، فقال: يا رب، وعزتك لا يسمع بها أحد إِلا دخلها، فحفها بالمكاره، ثم قال: اذهب فانظر إِليها، فذهب فنظر إِليها، فقال: يا رب! لقد خشيت أَن لا يدخلها أَحد. فلما خلق الله النار قال: يا جبريل، اذهب فانظر إِليها، فقال: يا رب، وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: يا رب، وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إِلا دخلها) [ابن حبان]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.