ولكن، عندهم أخلاق

قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إنَّما بعثتُ لأتمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ» [في الموطأ بلاغاً، والزرقاني في مختصر المقاصد، وصححه الهيثمي]

وقيل له صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّمَ: من أكرمُ الناسِ؟ قال: أكرمهم أتقاهم. قالوا: يا نبيَّ اللهِ، ليس عن هذا نسألُكَ، قال: فأكرمُ الناسِ يوسفُ نبيُّ اللهِ، ابنُ نبيِّ اللهِ، ابنُ نبيِّ اللهِ، ابنُ خليلِ اللهِ. قالوا: ليس عن هذا نسألكَ، قال: فعن معادنِ العربِ تسألونني. قالوا: نعم، قال فخياركم في الجاهليةِ خياركم في الإسلامِ، إذا فَقِهُوا. [رواه البخاري] .

هذا موقف من مواقف العرب، كان لرسول الله عليه الصلاة والسلام فيه حضور مع أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وهو يعرض عليهم دينه، ويبلغهم رسالة ربه طالباً منهم حمايتهم ونصرتهم، فيه نرى كيف كان العرب في الجاهلية وكيف كانت أخلاقهم التي جاء الإسلام ليتممها.

عن ابن عباس قال: حدثني علي بن أبي طالب، من فيه قال: لما أمر الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه، وأبو بكر رضي الله عنه، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر رضي الله عنه وكان مقدماً في كل خير، وكان رجلاً نسابة فسلم، وقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأي ربيعة أنتم؟ أمن هامها أي من لهازمها؟ فقالوا: من الهامة [الرأس، أي من السادة] العظمى، فقال أبو بكر رضي الله عنه: وأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر قال: منكم عوف الذي يقال له: لا حرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: فمنكم جساس بن مرة حامي الذمار، ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: فمنكم بسطام بن قيس أبو اللواء، ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال فمنكم أصحاب الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال أبو بكر: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم من ذهل الأصغر.

فقام إليه غلام من بني شيبان يقال له دَغْفَل حين تبين وجهه، فقال:

إن على سائلنا أن نسله

والعبو لا نعرفه أو نجهله

يا هذا، قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئاً، فممن الرجل؟ قال أبو بكر: أنا من قريش، فقال الفتى: بخ، بخ، أهل الشرف والرياسة، فمن أي القرشيين أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرة، فقال الفتى: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة. أمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر، فكان يدعى في قريش مجمعاً؟ قال: لا، قال: فمنكم -أظنه قال- هشام الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال: لا، قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الداجية الظلماء؟ قال: لا، قال: فمن أهل الإفاضة بالناس أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا، قال: فمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا، قال: فمن أهل النداوة أنت؟ قال: لا، قال: فمن أهل الرفادة أنت؟

قال: فاجتذب أبو بكر رضي الله عنه زمام الناقة راجعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الغلام:

صادف در السيل دراً يدفعه

يهضبه حيناً وحيناً يصدعه

أما والله لو ثبت لأخبرتك من قريش، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال علي: فقلت: يا أبا بكر، لقد وقعت من الأعرابي على باقعة. قال: أجل أبا حسن، ما من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق.

قال علي: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر الناس، وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان مفروق قد غلبهم جمالاً ولساناً، وكانت له غديرتان تسقطان على تريبته وكان أدنى القوم مجلساً، فقال أبو بكر رضي الله عنه: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لنزيد على ألف، ولن تُغلب ألف من قلة. فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجُهد -الطاقة – ولكل قوم جَهد -المشقة- . فقال أبو بكر: كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرة ويديل علينا أخرى، لعلك أخا قريش؟ فقال أبو بكر: قد بلغكم أنه رسول الله، ألا هو ذا، فقال مفروق: بلغنا أنه يذكر ذاك، فإلى ما تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر رضي الله عنه يظله بثوبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشاً قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد» ، فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعونا يا أخا قريش، فوالله ما سمعت كلاماً أحسن من هذا، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فقال مفروق: وإلام تدعونا يا أخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فقال مفروق بن عمرو: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، إني أرى إن تركنا ديننا واتباعنا على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر أنه زلل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقداً، ولكن، نرجع وترجع وننظر وتنظر. وكأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى بن حارثة: سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتك على دينك، وإنا إنما نزلنا بين صريين اليمامة والسمامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما هذان الصريان؟» فقال: أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا ألا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً، وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذلك. ثم نهض رسول الله عليه الصلاة والسلام قابضاً على يدي أبي بكر وهو يقول: يا أبا بكر أية أخلاق في الجاهلية؟ ما أشرفها، بها يدفع الله عز وجل بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم.

[البيهقي في الدلائل، وأبو نعيم في الدلائل، والحاكم]

وما أروع ما قاله سيدنا رسول الله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام: (أية أخلاق في الجاهلية؟ ما أشرفها، بها يدفع الله عز وجل بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم)

مواقف أعظم من أن أعلق عليها، أرجو قراءتها مراراً ففيها من الفوائد ما فيها.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.