العصر الجاهلي ونقد لرواية بحيرى الراهب

العصر الجاهلي هو الحياة التي عاشها العرب قبل بعثة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ولعل أدق بداية لهذا العصر هي التحول من دين إبراهيم إلى عبادة الأصنام.

ويهمنا كثيراً أن ندرس العصر الجاهلي لعدة أسباب:

الأولى: الحوادث التي ارتبطت بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كعام الفيل، وحرب الفجار، وحلف الفضول، وبناء الكعبة، وزواجه من سيدتنا خديجة عليها رضوان الله تعالى.

الثانية: الحياة الجاهلية قبل البعثة من حيث عبادة الأصنام لتعلقها بالتوحيد الذي جاء به رسولنا الكريم لنسف هذه العبادة وتقرير وحدانية الله تعالى في الجزيرة.

الثالثة: المجتمع الجاهلي، عاداته وتقاليده ونظمه القانونية، والكيانات التي تشكلت في الجزيرة من قبائل العرب، وكذلك انقسام العرب إلى حضر وأعراب، وما لذلك من علاقة بالإسلام.

الرابعة: الشعر الجاهلي، والذي يمثل صورة اللغة السائدة في ذلك العصر، وهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم متحدياً العرب بإعجازه اللغوي.

أما تاريخ العصر الجاهلي، أو تاريخ العرب قبل البعثة فقد نقله إلينا المؤرخون، وقلما تجد كتاب تاريخ أو كتاب سيرة إلا وقد ذكر تاريخ العرب في مقدمته.

وهذا التاريخ منه ما نقل بالرواية المسندة، ومنه ما نقل كتاريخ وروايات عن الأقدمين، ولا بأس بالتساهل في الأخذ بما جاء في التاريخ عن العرب، خاصة إذا كان هذا الأخذ لا تترتب عليه أحكام في ديننا. والمؤرخون عادة يتساهلون في موضوع تدقيق السند فيما يتعلق بالتاريخ القديم، لصعوبة السند فيها من ناحية، ولعدم الحاجة الماسة إليه إذ لا يترتب عليه تشريع، مع الأخذ بالاعتبار أن القصائد شواهد على كثير من الأحداث التي حصلت في الجاهلية.

غير أن هناك ما يحتاج إلى التدقيق فيه من ناحية السند، وخاصة فيما يتعلق بسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، كلقائه بالراهب بحيرا، وهذه من الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام لإثبات أن سيدنا محمداً عليه الصلاة والسلام ليس رسولاً من عند الله تعالى.

ولنأخذ حادثة بحيرى الراهب هذه مثالاً لندرك أهمية التدقيق في الروايات التي تتعلق بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

وبالمناسبة فإن هذه الحادثة مشهورة بين المسلمين، وتدرس لأطفالهم في المراحل التعليمية الأولى، هذه الحادثة استند عليها بعض أعداء الإسلام وبخاصة بعض النصارى منهم من أجل إثبات أن ما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس إلا من النصارى الذين علموه ذلك وما هو من عند الله تعالى (إذ يعتقد سير وليام ميور، ودريبر، ومارجوليوث وغيرهم في أن هذه الواقعة انتصار عظيم للمسيحيين، ويدعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعلم حقائق وأسرار الدين من هذا الراهب، وقد وضع النبي أساس تعاليم الإسلام على ما أخبر به هذا الراهب من أقوال ودقائق، وأركان الإسلام الأساسية شروحا وحواشي لهذه الأقوال والنكات) [دائرة معارف في سيرة النبي: شبلي النعماني].

وعلى الرغم من أن الروايات الواردة في هذه الحادثة ليس فيها ما يشير إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان في العاشرة أو الثانية عشرة من العمر قد تلقى علوماً من الراهب، بل على العكس فقد كان الراهب يسأل والنبي يجيب، إلا أنهم جعلوها شبهة لدحض دين الإسلام، وستمر معنا روايات أخرى يستند إليها كل من يريد أن يثير شبهة ليشكك المسلمين في دينهم أو ليثبت شيئاً في دينه.

أما الرواية فقد جاءت في سيرة ابن هشام كما يلي: (ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجراً إلى الشام. فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صبّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا أفارقه ولا يفارقني أبداً أو كما قال. فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له.

وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها، فيما يزعمون. يتوارثونه كابراً عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام.

فلما نزلوا به قريباً من صومعته صنع لهم طعاماً كثيراً وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم.

قال: ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه. فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها.

فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ثم أرسل إليهم.

فقال: إني صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأناً اليوم. فما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيراً فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاماً فتأكلوا منه كلكم، فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم، لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما نظر بحيري في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجده عنده، قفال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا: يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدثنا سناً فتخلف في رحالنا.

قال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.

قال: فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رأى بحيرى جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه.

وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئا. فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما.

فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه؟ فقال له: سلني عما بدا لك.

فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره.

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره. فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته.

ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال بحيرى: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي. قال فما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به، قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود.

فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده) اهـ

كما ذكرها الترمذي: حدثنا الفضل بن سهل أبو العباس الأعرج البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن غزوان أبو نوح أخبرنا يونس بن أبي إسحق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجدان إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل قال: أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا إلى الروم فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا إن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره لك لطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه. وأقاموا معه. قال: أنشدكم الله، أيكم وليه؟ قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رد أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالاً وزوده الراهب من الكعك والزيت) اهـ

وهكذا رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن عساكر وقال الترمذي في جامعه: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: (أظنه موضوعاً وبعضه باطل) كما ذكر في ميزان الاعتدال عن عبد الرحمن بن غزوان أن له مناكير وأن أنكر ما له ما رواه عن يونس في سفر النبي صلى الله عليه وسلم وهو مراهق مع عمه أبي طالب إلى الشام.

كما شرح الذهبي اعتراضه على الرواية في السيرة النبوية إذ قال: (وهو حديث منكر جداً، وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين [وقد يكون عمر أبي بكر سبع سنين ونصف فيما لو كان رسول الله ابن عشر] فإنه أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد، وأيضاً فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيئ الشجرة؟ لأن ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أبا طالب قط بقول الراهب ولا تذاكرته قريش ولا حكته أولئك الأشياخ مع توفر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار) [السيرة: الذهبي].

وقد انتقد ابن كثير الرواية في البداية والنهاية فقال: (فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة فإن أبا موسى الاشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة. ولا يلتفت إلى قول ابن إسحاق في جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة وعلى كل تقدير فهو مرسل.

فإن هذه القصة كانت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم، أو كان هذا مشهورا مذكورا أخذه من طريق الاستفاضة.

الثاني: أن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا.

الثالث: أن قوله وبعث معه أبو بكر بلالاً إن كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك ثنتي عشرة سنة فقد كان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة، وعمر بلال أقل من ذلك، فأين كان أبو بكر إذ ذاك؟ ثم أين كان بلال؟ كلاهما غريب، اللهم إلا أن يقال إن هذا كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم كبيراً. إما بأن يكون سفره بعد هذا أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك ثنتي عشرة سنة غير محفوظ، فإنه إنما ذكره مقيداً بهذا الواقدي. وحكي السهيلي عن بعضهم أنه كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك تسع سنين والله أعلم) [البداية والنهاية: ابن كثير] .

كما نلاحظ في رواية ابن اسحق تشكيكه بنفسه فيها إذ ذكر كلمة يزعمون أكثر من مرة.

وعلى فرض الأخذ بالرواية وعدم النظر في سندها وما تحدث عنه العلماء كما أسلفنا، فإن الرواية فيها دلالة على نبوته عليه الصلاة والسلام، إذ يقرر بحيرى فيها أنه نبي مما عرفه منه ومما حفظه مما عنده من التوراة والإنجيل، فضلاً عن أن الرواية لم يذكر فيها حرف واحد يثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أخذ شيئاً من بحيرى، أو أنه تعلم منه شيئاً، بل كان بحيرى يسأل والرسول يجيب فهو المعلم وليس بحيرى، فمن قرأ الرواية بإنصاف وإن كان من غير المسلمين فلن يرى إلا ما ذكرناه.

هذا مثال على نقد الروايات، يعطينا صورة واضحة عن حرص علمائنا الكرام على التدقيق في كل ما ورد في التاريخ إن تعلق بشكل مباشر بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما التدقيق في كل ما ورد في التاريخ فليس مطلوبا، بل إن منهج التساهل فيه هو منهج العلماء خاصة بعد الجمع بين الروايات.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.