عقلك هو مستشارك

لنرى هذا المشهد الذي يخصك أيها القارئ:

تخيل نفسك جالساً وعلى يمينك حكيم طاعن في السن، وعلى شمالك شاب طائش، وخلفك شبح يجلس القرفصاء في أذنك، وأمامك طاولة عليها كأس خمر، وكوب ماء. ويقف أمام الطاولة خادمك منتظراً منك الإشارة.

والآن، أردت أن تشرب فالتفتّ إلى الحكيم الذي:

قال لك: اشرب الماء فهو حلال أولاً، ويروي ثانياً، ولا تشرب الخمر لأنها حرام.

ويقول لك الشاب الطائش: اشرب الخمر لتستمتع.

والشبح يهمس في أذنك: أطع الشاب ولا تطع الشيخ الخرف، أو على الأقل جرّب ولن تخسر شيئاً وإن لم يعجبك الأمر فلا تفعله ثانية.

والخادم ينتظر أوامرك.

ها أنت استمعت لكل الآراء وفي النهاية تصدر الأمر للخادم: أعطني الماء فيتناول الخادم الماء ويضعه في فمك، أو أعطني الخمر فيتناول الخمر ويسقيك.

والآن، مَن مِن هؤلاء يتحمل مسئولية هذا التصرف فيما لو كانت له تبعة: الحكيم أم الشاب أم الشبح أم الخادم؟ الجواب هو أنت وهو الجواب الطبيعي، فالحكيم نصح والشاب طالب والشبح وسوس والخادم نفذ.

أما الحكيم فإنه هو الناصح ولكنه في النهاية مأمور لك تستخدمه كما تشاء لأنه لا إرادة له أصلاً ولا يملك التصرف، وهو فوق هذا يعطيك الأهلية للتصرف لأنه هو الذي يعلمك أسماء الأشياء ومعانيها ومخاطرها، وبدونه لست أهلا للتصرف أي لا عقل لك أي إنك خارج نطاق التكليف.

وقد يظن البعض أن دور الحكيم (العقل) يفوق الاستشارة لأنه هو الذي يقرر وهو الذي يريد وهو الذي يتصرف وهذا خطأ محض إذ لو كان كذلك لما هلك أحد، ولما كفر فرعون وأبو جهل وإبليس نفسه لأن عقل كل واحد منهم هدى صاحبه للحق ولكنه لم يستجب وهنا يقف دور العقل.

والشاب الطائش هو الغرائز والحاجات التي تلح على الإشباع.

والخادم هو الجارحة.

والشبح هو الشيطان ومن على شاكلته.

والجسد هو الوعاء لكل هذا.

أما الروح فليست من شأننا ولذلك لن نتحدث عنها.

والآن هل عرفت من هو الآمر الناهي لهؤلاء؟ إنه ليس العقل وليست الغرائز والحاجات، وليست الجارحة وليس إبليس وأعوانه، بل هو أنت، وأنت حيرت العلماء فكان أسهل وصف لك هو أنت، مع أن منهم من قال النفس ولعل من قصد بها الذات كالغزالي رحمه الله قد أصاب، ومنهم من قال القلب ومنهم من قال الروح ومنهم من قال الإرادة، ولكن أنت أو نفسك أي ذاتك هي الأفضل لأنها الأوضح وهي التي يدركها الجميع.

ومعنى يعقلون أي يستخدمون عقولهم ولا يعقلون أي لا يستخدمونها، إذن هناك عقل وهناك من يستخدمه فهما متغايران، وكذلك الرغبات عند الإنسان (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالله عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران: 14] وهذه غير الذات فهي مجرد طاقات تشتعل في الجسد تحتاج إلى إشباع كالحاجة للأكل والشرب والنوع الآخر والتملك وغيرها وأنت الذي تقرر إشباعها أو كبتها أو تنظيم إشباعها وفق منهج معين.

أما الجارحة فلا خلاف في براءتها (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا) [الأعراف: من 179] (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس: 65] .

وأخيراً الشيطان الذي لا سلطة له البتة فهو يوسوس ويزين ويوحي لأوليائه مؤامراته: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم: 22]

أما النفس بمعنى أنت أو (الأنا) فقد وردت بمعنى الذات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18] (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38] .

لعلنا عرفنا المستشار من هو، وما هي أهميته، وما هو دوره، ولكي لا نخدع أنفسنا بالقول الشائع أنا لم أقتنع، وكي لا ننخدع بكل من يطرح سفاهته ويقول أنا لم أقتنع، أقنعوني. بل ندرك خطر الأهواء والشهوات علينا وعلى الآخرين التي تغلب في أكثر الأحيان العقل المسكين البريء من كل هذه السخافات.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.