الانحدار

لا يصبح انحداراً إلا إن كانت له قمة، أو كان له أعلى.

فالانحدار إذا فقد القمة التي ينحدر منها لا يكون انحداراً، مهما كان انحطاطه وتخلفه وسخافاته، إذ لا يشعر من ينحدر بأنه ينحدر، بل يشعر أنه في علو وصعود، وكل ذلك لأنه لا قمة لديه تعطيه المعيار لمعنى الانحدار.

ومتى ما وجدت القمة التي يتطلع إليها الجميع، فقد أمن المجتمع من الانحدار، لأنه إن حصل فسيعرف بسهولة أنه انحدار ولن يجرؤ أحد على تسميته بغير ذلك، فلا يجرؤ أحد على أن يطلق عليه فضيلة، أو مثلاً أعلى.

مشكلة وجود الانحدار في المجتمعات الإنسانية هي ليست فيه بل في معرفته، فالمجتمع الذي يقدر كرامة الإنسان وشرفه، يرى أي مس بهما انحداراً، والمجتمع الذي تكون قمة العلاقات الإجتماعية فيه متمثلة بالرجل والمرأة، تكون أي علاقة عداهما انحداراً.

وعلى العكس من ذلك، فالمجتمع الذي لا توجد فيه هذه القمم القيمية، لا يرى ضياع الكرامة والشرف انحداراً، ولا يعتبر العلاقات الشاذة انحداراً، لأنه فقد المعيار الذي يعطيه معنى الشرف والكرامة والعلاقات الطبيعية في المجتمعات الإنسانية.

المجتمع الإسلامي بكل أنواع الحياة فيه، من أول الحكم والسياسة والقانون إلى أدق تفاصيل العلاقات بين الناس في الشارع، كل ذلك مرسوم في إطار يشكل في النهاية صورة كبيرة لمجتمع يعتبر القمة التي بها يعرف الانحدار، هذه الصورة رسمها الشرع بأحكامه ولم يترك للناس اللعب بها، سواء أكان اللعب تغييراً في ملامحها، أم تغييراً لها.

ومن خلال تشريعاته أوجد في الناس النزوع الدائم للوصول إلى هذه الصورة: حكاماً ومحكومين، فالحكام ينزلون الناس على الأحكام والقوانين والتشريعات الإسلامية ليكونوا في الصورة، وذلك بالحكم والتربية والإعلام، وبث التقوى في النفوس، والمحافظة على أذواق الناس، ورفع معيشتهم إلى المستوى الذي يجعلهم قادرين على أن يكونوا في القمة، من خلال رعايتهم.
وكانت صورة هذه القمة في الإسلام هي الخلافة الراشدة التي انتهت بالحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام. وقد عرفنا الانحدار عن القمة لأننا عرفنا القمة، وبدأ الانحدار حتى ضاعت الحياة الإسلامية.

ومن ناحية أخرى؛ أوجد الإسلام في صورة المجتمع التي تشكل معيار الانحدار، تشريعات الحلال والحرام، فالزنا على سبيل المثال حرام، ولن يكون حلالاً في يوم من الأيام، وهذه قمة من القمم تجدر الإشارة إليها، ولن تجدها في المجتمعات التي لا قمم فيها، فعند الغرب لم يعد الزنا مجرّماً ولا فعلاً يستحى منه، فصار علاقة طبيعية، بل يوجد الاستغراب في النفوس لعدمها.

وحسب ما أفهم فإن المشكلة تكمن في وجود القمة من عدمها، وليست في الانحدار، لأن وجود القمة كفيل بمعالجة الانحدار، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الانحدار في الأفراد أمر طبيعي يتناسق مع الطبيعة البشرية التي لا عصمة فيها، ولكن من غير الطبيعي أن يكون الانحدار ظاهرة في المجتمع، فلا بد أن نفرق بين وجود الخطيئة في المجتمع ووجود من يرتكبها من البشر، وبين ظاهرة الانحدار عن قمة المجتمع.

إذا أردت أن تسحق مجتمعاً، فعليك بقممه التي تستقى منها المعايير والتي بها يعرف الانحدار، فإن سحقت القمة لم يعد الانحدار عنها انحداراً، مثل أن تلغي الوزن من الأسواق، فلا يعد للبيع والشراء معياراً يتفق عليه الناس.

والأخطر من مسح القمم، الإتيان بقمم وهمية ووضعها في المجتمعات ليكون التنازل عنها انحداراً، وهذا ما تمر به الإنسانية اليوم في شتى صور انحداراتها، حتى صار أهل القمم الأصيلة هم المنحدرون.

فعندما تصبح الرذيلة فضيلة، والفضيلة رذيلة تنقلب الموازين، ومثل ذلك قول قوم لوط (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل: 56] فهل أصبحت الطهارة رذيلة؟

وعلى العكس من ذلك، ومن العجائب التي تجدر الإشارة إليها؛ أن المجتمعات التي لا تزال قممها باقية أو لا تزال آثارها باقية تراها راقية في كل صور حياتها، وترى رقيها أيضاً في انحدار أبنائها، فإن وجد الزنا مثلاً، فإنه يظل عيباً يُستتر منه، ولا تجد الرجل ينظر إلى جارته ولا إلى ابنة عمه، بل إن الذين يسوّقون الزنا في هذه المجتمعات لا يسوقونه إلى على اللاتي يرغبن ببيعه.

هل تتصور دعاية لمنتج تجاري في ذلك الوقت بهذا الرقي؟

لنأخذ هذه الدعاية التي تعتبر مثالاً على ما نريد أن نبينه، وعنوان الدعاية هو (الأمل) :

(الأمل هو أعظم نعمة من نعم الله للإنسان، إذ لولا الأمل لكانت الحياة ناشفة باردة لا لذة فيها ولا جاذب، وقد صدق المتنبي حيث قال:

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

لكن قد تمر بالإنسان أوقات صعبة ودقائق حرجة يشعر فيها بالتعاسة والشقاء والوحدة ويتخيل أن لا أمل له في الحياة، وما أصعب فقدان الأمل.

في مثل هذه الظروف لا يوجد شيء مثل …..)

هل تريدني أن أكمل؟

ولكن قبل أن أكمل أحب أن أسأل القارئ والقارئة الكرام، ما الذي يتبادر إلى الذهن؟ لعلك تقول أنه كتاب الله تعالى، أو قراءة أي كتاب، أو الجلوس إلى صديق، كل هذه تتناسب مع قوة هذه الدعاية وجمال ألفاظها،، ولكن

ستتفاجأ إن عرفت النهاية، وسنعود للدعاية ونكمل

(في مثل هذه الظروف لا يوجد شيء مثل كأس من ….. وسكي، الوسكي اللذيذة الطعم المفيدة للصحة) انتهت الدعاية

طبعاً النقط هي ماركة لويسكي معروف في ذلك الوقت لم أحب ذكرها

عمر هذه الدعاية التجارية في بلادنا تجاوز سبعين سنة، في الوقت الذي كان الانحدار فيه واضحاً جلياً، ولكنه كان انحداراً متناسباً مع آثار القمة الموجودة آنذاك، وهذه صورة من الدعاية التي نشرت آنذاك في الجرائد

clip_image002

وللحديث بقية

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.