فوائد: من إمام إلى إمام

كنا قد وضعنا في المدونة رسالة الإمام أبي حنيفة إلى الإمام البتي رحمهما الله تعالى وتعلمنا من تلك الرسالة الكثير.

واليوم نضع بين أيدي قرائنا الكرام رسالة الإمام مالك إلى الإمام الليث بن سعد رحمهما الله تعالى في فضل علم أهل المدينة وترجيحه على علم غيرهم، أذكرها لكم لنتمتع بالأدب العلمي العالي، والطرح الفقهي الراقي، وكيف كان الخلاف بين علمائنا الكرام.

ملاحظة: التعليقات بين قوسين.

نص الرسالة:

((من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد: سلامٌ عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو.

أما بعد، عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه.

كتبت إليك وأنا ومَن قبلي من الولدان والأهل على ما تحب، والله محمودٌ.

أتانا كتابك تَذكرُ من حالك ونعمة الله عليك الذي أنا به مسرور، أسأل الله أن يتم عليَّ وعليك صالح ما أنعم علينا وعليك، وأن يجعلنا له شاكرين.

وفهمتُ ما ذكرتَ في كتب بعثتَ بها لأعرضها لك [يعني: لأقرأها لك وأبدي رأيي فيها، ويظهر من قراءة هذه الرسالة وجوابها الآتي عن قريب، أنه وردت إلى الإمام الليث كتب من أهل المدينة في بعض شئونهم، فأحب الإمام الليث التثبت من صحة ما فيها، فأعادها إلى الإمام مالك بالمدينة، فوقف عليها الإمام مالك وفعل اللازم كما سيأتي ذكره] وأبعث بها إليك، وقد فعلتُ ذلك وغيَّرتُ منها ما غيرت حتى صح أمرها على ما تحب، وختمتُ على كل قُنداق منها بخاتمي [القنداق: ويقال فنداق، لفظ معرب يظهر أن أصله فارسي، ومعناه صحيفة الحساب، وأطلق هنا تجوزاً على الورقة المرسلة يكتب فيها ثم تطوى لفاً، وكانوا يختمون آخر كل ورقة بخاتم كاتبها حتى لا يزاد عليها شيء من غيره] ونقشه: «حسبي الله ونعم الوكيل» .

وكان حبيباً إليَّ حفظُك وقضاءُ حاجتك، وأنت لذلك أهلٌ، وصبرتُ لك في نفسي في ساعةٍ لم أكن أعرض فيها لأن أُنجح ذلك [يعني: حبست لك في نفسي في ساعة لا أتوجه فيها للقراءة، لأقضي حاجتك وطلبك من الاطلاع على تلك الكتب] فتأتيك مع الذي جاءني بها، حيث دفعتُها إليه، وبلغتُ من ذلك الذي رأيتُ أنه يلزمني لك في حقك وحرمتك.

وقد نشَّطني ما استطلعتَ مما قِبلي من ذلك، في ابتدائك بالنصيحة لك، ورجوتُ أن يكون لها عندك موضعٌ [يريد أن استطلاع الليث لما عند مالك في هذه الكتب دلّ على تواضع الليث وإخلاصه وحبه لمعرفة الصواب، فشجع ذلك مالكاً على أن يبتدئ كتابه إلى الليث بالنصيحة له] ولم يكن منعني من ذلك قبل اليوم أن لا يكون رأيي لم يزل فيك جميلاً إلا أنك لم تُذاكرني شيئاً من هذا الأمر، ولا تكتب فيه إليَّ.

واعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفةٍ لما عليه جماعةُ الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك، ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قِبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك: حقيقٌ بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه.

فإن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}

وإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده، صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.

ثم قام بمن بعده أتبع الناس له من أمَّته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالفٌ، أو قال امرؤ غيره أقوى منه وأولى، ترك قوله وعمل بغيره.

ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن.

فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لأحدٍ خلافه، للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحدٍ انتحالها ولا ادعاؤها.

ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل الذي ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منَّا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك مثل الذي كان لهم [أحسن من شرح مذهب الإمام مالك وأصحابه حول حجية عمل أهل المدينة هو القاضي عياض في ترتيب المدارك: باب الحجة بإجماع أهل المدينة فيما هو؟ وتحقيق مذهب مالك رحمه الله في ذلك، فانظره إذا شئت، وانظر أيضاً الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للعلامة الحجوي، عمل أهل المدينة] .

فانظر رحمك الله فيما كتبتُ إليك به لنفسك، واعلم أني أرجو أن لا يكون دعاني إلى ما كتبتُ به إليك، إلا النصيحة لله تعالى وحده، والنظر لك والضن بك، فأنزل كتابي منك منزلةً، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلُك نصحاً.

وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمرٍ، وعلى كل حال، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وكتب يوم الأحد لتسع مضين من صفر)) انتهى

[النص والتعليقات من كتاب: نماذج من رسائل الأئمة السلف وأدبهم العلمي. للشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله رحمة واسعة]

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.