60) الميزان: حقيقي أم معنوي؟

هل الميزان مخلوق حقيقي أم هو معنوي؟ هل هو لوزن الأشياء حقيقة أم لوزنها مجازاً كقولك: (فلان لا يساوي شيئاً في ميزان الرجال) أو كقولك: (وزنت هذا الأمر بميزان الشرع) ؟

جاء في الحديث الشريف عن سلمان الفارسي فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَوْ وُزِنَ فِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَوَسِعَتْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ لِمَنْ يَزِنُ هَذَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ) [الحاكم والمنذري]

وعلى خلاف من أنكر الميزان وادعى أنه مجرد مجاز معنوي للعدل، فإننا نؤمن بما جاء في النصوص وبما عليه الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم جميعاً بأن الميزان حقيقي وليس معنوياً، جاء في فتح الباري: (وحكى حنبل بن إسحاق في كتاب السنة عن أحمد بن حنبل أنه قال رداً على من أنكر الميزان ما معناه: قال الله تعالى {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الميزان يوم القيامة فمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم فقد رد على الله عز وجل) وقال: (قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل. فخالفوا الكتاب والسنة لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين وقال ابن فورك: أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها قال: وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساماً فيزنها) وفي النهاية لابن كثير: (نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ كفتان عظيمتان، لو وضعت السموات والأرض في واحدة لوسعتهما، فَأَمَّا كفَّةُ الْحَسَنَاتِ فَنُورٌ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَظُلْمَةٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، وَعَنْ يَمِينِهِ الْجَنَّةُ، وَكفَّةُ النُّورِ مِنْ نَاحِيَتِهَا، وَعَنْ يَسَارِهِ جَهَنَّمُ، وَكفَّةُ الظُّلْمَةِ مِنْ نَاحِيَتِهَا، قَالَ: وَقَدْ أنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: الأعمال أعراض لَا جرْمَ لَهَا فَكَيْفَ تُوزَنُ؟ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا فَتُوزَنُ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُوزَنُ كتب الأعمال. قلت: وقد تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ وَعَلَى الثَّانِي وعلى أن العامل نفسه يوزن)

أما ما ذكر عن بعضهم أن الميزان بمعنى العدل كما ذكره ابن حجر في الفتح: (وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء فأسند الطبري من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} قال إنما هو مثل كما يجوز وزن الأعمال كذلك يجوز الحط ومن طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال الموازين العدل والراجح ما ذهب إليه الجمهور) فقد قال ابن كثير: (لَعَلَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا فَسَّرُوا هَذَا عِنْدَ قوله: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ألاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وأقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِروا الْمِيزَانَ} فالميزان في قوله: ووضع الميزان، أي العدل، أمر الله عباده أن يتعاملوا به فيما بينهم، فأما الميزان المذكور في زنة القيمة، فقد تواترت بذكره الأحاديث كما رأيت، وهو ظاهر القرآن. فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه، وهذا إنما يكون للشيء المحسوس)

أما القول بأن الأعراض يستحيل أن توزن، فهو من شطحات العقول التي وقع بها المعتزلة وغيرهم من الذين يعرضون أفعال الله تعالى على عقولهم فما قبلته عقولهم قبلوه على الله تعالى وما رفضته رفضوه، وهذا منهج يغلب عليه الغباء والسطحية لأنه يعتمد على فقدان التصور، فتعتبر عدم القدرة على التصور في هذا المنهج نفياً للحقيقة، ومثل هذا من يقول أنه يستحيل أن يكون سيدنا عيسى عليه السلام حياً، إذ كيف يعيش كل هذه المدة من الزمان، ولو أنه نفى حياة المسيح عليه السلام بناء على فهم الأدلة كما فعل ابن حزم لكان الاستدلال في النهاية من النصوص، ولكن أن يفعل ذلك لفقدان التصور فهذا خطأ واضح، لأن الله تعالى الذي خلق عيسى من غير أب، ورفعه إليه قادر سبحانه على أن يبقيه حياً إلى ما يشاء جل وعلا.

والله تعالى يقول: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس: 81-83] وجاءت هذه الآيات بعد قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) فالله تعالى يعلمنا التفكير والاستدلال، كيف وهو الذي خلق الإنسان والعقل والنفس والروح؟ فمن يؤمن بأن الله خلق لا يعجز عن تصور الخلق مرة أخرى وأخرى وأخرى، لأن من خلق أول مرة قادر على أن يخلق ثانية وثالثة، وهذا هو المنهج العقلي الصحيح في الاستدلال.

أما عدم قدرة العقل على تصور الشيء فإنه إن صلح للنفي على أفعال المخلوقات كقولك (يستحيل على بشر أن يتنفس في الماء) فإنه لا يصلح على أفعال الخالق جل وعلا، فالبحث حينئذ يسوق صاحبه إلى خطر كبير وهو أن يجعل كل ما يتعلق بالله تعالى تحت حكم العقل وهذا الذي يؤدي إلى الانحراف، وقد سبق أن ذكرنا شيئاً من خطأ هذا المنهج في كلمة سابقة عن أحداث يوم القيامة بعنوان أين مقاييس الدنيا وكذلك في كلمة البعث لمن اراد الاستزادة.

ونؤكد هنا أن نفي الميزان بناء على عدم القدرة على تصور قدرة الله تعالى على وزن الأعراض أو المعنويات أو ما هو غير محسوس خطأ في الاستدلال ولا يصح، لأن العبرة فيما يتعلق بالله تعالى في النصوص التي وردت وفهمها وإقرار ما جاء فيها، وليس في بحث القدرة وعدمها لأن الله تعالى على كل شيء قدير، ولذلك فما ذكر عن مجاهد -إن صح- تراه فهماً للنص وليس استدلالاً في القدرة، وهذا بالضبط ما عنيناه.

ومنهج التغليب والتغييب هو السائد للأسف الشديد في هذه الأيام: تغليب العقل وتغييب النص، والذين يروجون لهذا المنهج يريدون إنشاء جيل من المسلمين خاصة ومن البشر عامة بصياغة جديدة للعقول تقوم على عرض كل شيء عليها فما قبلته فنعم وما رفضته فلا، وخطر هذا المنهج أنه لا يعرف للعقل حدوده الطبيعية التي لا يستطيع تجاوزها، والتي إن تجاوزها شطح، ومؤدى هذا المنهج إنكار الغيبيات والمعجزات.

يقول القرطبي في التذكرة: (قال علماؤنا: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروه لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد من الأحزان والأفراح، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وهذا كله فاسد لأنه رد لما جاء به الصادق، وفي الصحيحين فيعطى صحيفة حسناته، وقوله: فيخرج له بطاقة، وهذا يدل على الميزان الحقيقي، وأن الموزون صحف الأعمال كما بينا وبالله التوفيق)

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.