رموز إلى الحطام

والأخطر من مسح القمم، الإتيان بقمم وهمية ووضعها في المجتمعات ليصبح التنازل عنها انحداراً، وهذا ما تمر به الإنسانية اليوم في شتى صور انحداراتها، حتى صار أهل القمم الأصيلة هم المنحدرون.

كانت هذه جملة من ضمن كلمة سابقة عن الانحدار، تحدثَت عن القمم التي يجب أن توجد في المجتمع فيتطلع إليها الناس ويسعون لبلوغها.

وحديثنا اليوم عن الرموز التي توجد في المجتمع بشكل طبيعي فتعتبر قدوات للناس عامة، وللنشئ بشكل خاص وهي من أهم ما يرقى بالمجتمع أو يخسف به.

الابن يتأثر بأبيه، والبنت بأمها، والتلميذ بمعلمه، والمريد بشيخه، والعامة بالخاصة، والجمهور بالزعيم، وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الإنسانية.

فالناس تتأثر وتنبهر بكل البارزين في مجتمعاتهم من حكام وعلماء وزعماء وقادة، وكلما انحط المجتمع كلما ازداد التأثر بالبارزين وانعدم بالمغمورين، إذ يصبح سِقط البشر رموزاً فيه، فصاحبة الرذيلة تصبح رمزاً للفضيلة، والمنافق الكذاب يصبح رمزاً للعلم والصدق، والسارق المرتشي يصبح رمزاً للكرم والعطاء، والشيخ الدجّال يصبح رمزاً للتقوى والورع، والممثلون والممثلات والمطربون والمطربات والفاسدون والفاسدات، وهكذا كلهم يصبحون رموزاً للنشئ يقلدونهم في كل شيء مهما كان الذوق منحطاً والتقليد ساذجاً.

وكلما انحط المجتمع كلما برز المنحطون فيه؛ لأن الوعاء الفاسد لا ينضح إلا بالفساد، وكلما برز المنحطون كلما تأثر بهم الناس، وكلما تأثر بهم الناس كلما ظهرت رموز جديدة، وهكذا دواليك، فالتلازم بين تأثر الناس وبروز الرموز في المجتمع طبيعي، والعلاقة بينهما طردية، وهي في النهاية لا تنتهي فهي كدائرة إنتاج في مزرعة.

لنقف عند هذه الصور الثلاث من القرآن الكريم المتماثلات في التأثر المتغايرات في نوعه:

الصورة الأولى:

قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) [هود: 25-30]

والملأ هم الجماعة ذوو الوجاهة والشرف، وسموا ملأ أي مُلئوا كرماً ووجاهة، لأن أصل ملأ من ملئ الإناء، ولذلك فهم مِلاء (جمع مليء) فيما يحتاج إليهم. وأمثال هؤلاء -وفق الطبيعة البشرية وبخاصة إذا لم يُحكّموا عقولهم- لا ينقادون لمن هم أقل منهم وزناً وقدراً في المجتمع، ولذلك تراهم استنكفوا أن يتبعوا سيدنا نوحاً عليه السلام وقد رأوا أتباعه من الأراذل حسب نظرتهم هم، وكأنهم يريدون أن يروا السادة وكبار القوم مع النبي ليكون هذا دافعاً لهم لاتباعه.

وهنا وقفة مهمة؛ إذ ما علاقة ما جاء به الرسول بمن اتبعه؟ هل يجعل كثرة الأتباع ووزنهم في المجتمع من الرسالة حقاً؟ أم أن الذي يجعلها حقاً عند المتلقّي هو الرسالة نفسها وما جاءت به؟ وإذا جاء أحدهم بالحق والصدق ولم يتبعه إلا المجانين مثلاً فهل هذا يعني أن ما جاء به باطل أو جنون؟ كل هذه الأسئلة يجيب عليها معرفة واقع التأثر ومتى يكون سلبياً على صاحبه.

وعلى عكس ما سبق؛ إن جاء صاحب الباطل بباطله وقد تبعه أكابر القوم ورموز المجتمع فهل يجعل هذا من باطله حقاً؟

إن أهل الحق يُعرفون بالحق وأهل الباطل يُعرفون بالباطل، وكما قيل: اعرف الحق تعرف أهله. وصدق الفضيل بن عياض في قوله: (اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين) [الاعتصام للشاطبي]

الصورة الثانية:

{وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 31-32]

وفي هذه الصورة يُظهر المتأثرون بالرموز في المجتمع تأثرهم بشكل واضح، ولكن بصورة تختلف عن الصورة السابقة كما أسلفنا، فهم هنا يريدون أن ينزل هذا القرآن على شخصين يعتبرونهما ممن يستحقون الاصطفاء والرسالة، جاء في تفسير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: (لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد) وكأنهم يقولون كما ذكر ابن كثير في تفسيره: (هلاّ كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟) ويقصدون بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود رضي الله عنه وكانا مشهورين في مكة والطائف، فالوليد كان يعرف بريحانة قريش، وعروة زعيم ثقيف في الطائف وله مآثر تعرفها العرب عنه. هذا على أرجح الأقوال، وإلا فقد اختلف فيهما، ولا يهم الاختلاف كثيراً لأن القصد هو الفكرة، وقد قال الطبري كلاماً جميلاً في هذا: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عن هؤلاء المشركين ،إذ كان جائزاً أن يكون بعض هؤلاء، ولم يضع الله تبارك وتعالى لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه، ولا على لسان رسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، والاختلاف فيه موجود على ما بيَّنت)

فالفكرة هي أن هذين الشخصين كانا من البارزين في ذلك الوقت، ولذلك فإن المتأثرين بهم جعلوهما ميزاناً للقرآن الكريم، إذ لو كان حقاً لنزل على هذين وليس على سيد الخلق عليه وآله أفضل الصلاة والسلام. ولو نظرنا إلى واقع هذين وواقع النبي الكريم بعين الإنصاف لعلمنا أنهما لا يرقيان إلى مقامه كإنسان أي قبل البعثة فكيف بعدها، ولكن الهوى غلب.

وكانوا قد اتهموا صاحب الرسالة بالسحر كما جاء في الآية التي قبل آيتنا وفي هذا يقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: (أي بعد أن أخذوا يتعللون بالعلل لإنكار الحق إذ قالوا للقرآن: هذا سحر، وإذ كان قولهم ذلك يقتضي أن الذي جاء بالقرآن ساحِر انتُقل إلى ذِكر طعن آخر منهم في الرّسول بأنه لم يكن من عظماء أهل القريتين)

فانظر إلى اختلال الميزان في حالة التأثر بالرموز، وقد قال الوليد بن المغيرة يومها كما ذكرت الروايات في كتب التفاسير: (لو كان ما يقول محمد حقاً أنـزل عليّ هذا، أو على ابن مسعود الثقفي)

فهذه الصورة تبين لنا كيف يكون الصدود عن الحق لمجرد أن صاحب الحق ليس رمزاً في نظر المتلقّي.

الصورة الثالثة:

قال الله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 247]

ولا تخرج هذه الصورة كثيراً عن سابقتها، فإن صحت الروايات عن الرجلين من القريتين أنهما كانا من أصحاب الأموال الوافرة، فإن هذا طبيعي بين الناس إذ لا يسود عادة إلا الغني، إلا أبا طالب عم النبي عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، فقد كان حالة مغايرة إذ ساد قريشاً رغم قلة ماله، وهذا ما اشتهر عنه بين العرب فقالوا ما ساد فقير إلا أبو طالب.

أما الصورة الثالثة فتحكي لنا قصة ملأ من بني إسرائيل طلبوا من نبي من أنبيائهم أن يبعث الله لهم ملِكاً يقاتلون أعداءهم تحت قيادته، فلما جاء الأمر من الله بتعيين الملك اعترضوا.

لنقف عند هذه الصورة ونعتبر منها:

أولاً تراهم يقرون للنبي بالنبوة، فكان الأصل بالتبعية أن يلتزموا بما اختاره الله لهم، لأنهم هم الذين طلبوا ذلك.

ثانياً انظر إلى قول النبي: {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} فهو يخبرهم أن التعيين جاء من عند الله تعالى، وتمعن معي في قوله {بعث لكم} ، ولم يقل عليكم، مع أن الملك عادة يكون على الناس لا للناس.

ولأن ميزان الرجال عندهم هو المال فقد اعترضوا، وكان اعتراضهم من ناحيتين: الأولى أن النبي يقول لهم {إن الله قد بعث لكم} ، وهم يقولون أنى يكون له الملك علينا ولم يقولوا لنا.

والناحية الثانية أنه لا مال عنده، والمال على أية حال لا علاقة له بهذه الحالة لا من قريب ولا من بعيد، لأنهم أصلاً يريدون رجلاً يقاتلون تحت رايته، وليس غنياً يعيشون في كنفه، ألم يقولوا لنبيهم: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله} [البقرة: من 246] فالفكرة والقصد كله هو الاحتياج إلى قائد يقاتلون تحت قيادته، ولذلك رد عليهم النبي بقوله: {إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } وكأنه يقول لهم: ويحكم، طلبتم قائداً وليس غنياً، وها هو الله تعالى قد بعث لكم قائداً عنده القدرة من العلم والجسم وقد اصطفاه عليكم (ولم يقل اصطفاه لكم لتأكيد أفضليته عليهم) ثم يشير إلى أن الله يؤتي ملكه من يشاء وفي هذا درس عظيم لهم بأنهم يردون باعتراضهم هذا على الله تعالى حكمه.

ولم يكفهم هذا كله، مع أنهم هم الذين طلبوا، فأرسل الله تعالى لهم التابوت كآية تؤكد صدق التعيين، وفي هذا أيضاً إشارة إلى تكذيبهم النبي كما فعلوا مع أنبيائهم الآخرين.

في هذه الصورة المعبرة طلبوا القائد ولكنهم جعلوا ميزان قيادته هو المال، لأن المال هو لبّ حياتهم ومركز التنبه عندهم، إلا من رحم الله منهم.

فالتأثر بالرموز أمر طبيعي والمصيبة أن تكون هذه الرموز في المجتمع موازين لمعرفة الحق من الباطل.

وانظر إلى خطباء المساجد كمثال على ما نتحدث عنه، فالخطيب الذي يعتلي المنبر تنظر الناس إليه كرمز لما يقوم به من الوعظ والتوجيه والإصلاح، وقد قال ابن الجوزي وكلامه جميل: (الْعَالِمُ عِنْدَ الْعَوَامِّ مَنْ صَعَدَ الْمِنْبَرَ) [القصاص والمذكرين، دار الكتاب الإسلامي] ولذلك فالأصل في الخطيب أن يكون متحدثاً فقيهاً حاضر البديهة، موسوعياً في ثقافته، لأن ما يقوم به أمر عظيم فهو يجلس القرفصاء في أذن كل واحد من الناس ويقول له ما يريد.

ولكن، ماذا لو كان الشرط الوحيد للخطيب أن يحسن القراءة، ولا حاجة للكتابة؟ ماذا تتوقع أن يكون الحال؟

هذا بالطبع حالنا اليوم، إذ صار الخطباء قراء لأوراق، ناهيك عن الشرط الثاني وهو أن يقرأ ما يأتيه بلا اعتراض ولا تردد، لأن الخطابة في النهاية صارت وظيفة، وهي من أحط الوظائف لأن بها يباع الدين (بالطبع لا نقصد التعميم)

ومع أن هذا هو حال الخطيب إلا أن مجرد اعتلائه المنبر جعل منه رمزاً في المجتمع، وهو إن لم يشعر في قرارة نفسه بذلك فإنه سيشعر به يوماً ما، خاصة إذا ما توافد عليه الناس بعد الخطبة وكأنه العز بن عبد السلام، لأن الرمز في النهاية -في حالات الانحدار- من مصنوعات الجهل عند الناس. وصدق الشاعر عندما قال:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ،،،،، فصادف قلباً خالياً فتمكّنا

إن أردت أن تعرف مدى الانحطاط في أي مجتمع فانظر إلى رموزه التي تشرئب لها الأعناق.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.