الغاوون

الغي هو ضلال مع خيبة، وهو خِلَافُ الرُّشْدِ، وهو َالِانْهِمَاكُ فِي الْبَاطِلِ، قال الراغب: (هو جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقاداً لا صالحاً ولا فاسداً، وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا النحو الثاني يقال له غي) .

والعرب تقول غوي الفصيل إذا بشم [أصابته تخمة] من كثرة شرب اللبن حتى يهلك، فهو يقبل على اللبن يشربه حتى يفسد جوفه فهو غاوي.

والمُغَوَّاة حُفْرة كالزُّبْيَة تُحْفَر لِلذِّئْبِ، ويُجْعل فِيهَا جديٌ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ سَقَط عَلَيْهِ يُريده. وَمِنْهُ قِيلَ لِكُلِّ مُهْلَكة: مُغَوَّاة وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «إِنَّ قُريشاً تُريد أَنْ تَكون مُغوِيَات لِمَال اللَّهِ» أي أَنَّهَا تُريد أَنْ تَكُونَ مَصائدَ للمَال ومَهالك، كتِلْك المُغَوَّيَات.

والغوغاء هم سفلة الناس الذين يتبعون كل شيء ولا يستوطنون موقفاً وبه سميت صغار الجراد، قال الأصمعي: الغوغاء صغار الجراد إذا بدت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة وذلك حين يستقل فيموج بعضه في بعض فلا يتوجه جهةً.

والضلال هو الضياع ومنه قولهم ضل اللبن في الماء إذا اختلط فيه وضاعت معالمه، أما الغي فهو ضلال من نوع آخر: ضلال مع خيبة وخفة وحماقة، ولذلك فإن السادة هم الضالون المضلون أما الأتباع فهم الغاوون دائماً.

وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم:

(وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِن دُونِ الله هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) [الشعراء: 91-94]

وانظر إلى الذين يجتمعون حول الشاعر ليطربهم وقد لا يفهمون ما يقوله ولكنه الهوى، انظر لهؤلاء فتعرف من هم الغاوون، قال تعالى: (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) [الشعراء: 224-226] قال الزجاج: والمعنى أَنَّ الشاعرَ إِذا هَجَا بما لا يجوزُ هَوِيَ ذلك قَوْمٌ وأَحَبُّوه فهم الغاوون، وكذلك إِن مَدَح ممدوحاً بما ليس فيه وأَحَبَّ ذلك قَوْمٌ وتابَعوه فهم الغاوُون.

(قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر: 39-43] وإبليس هنا يبرر لنفسه فيضع اللوم على رب العالمين أنه هو الذي أغواه، وذلك مثل الذي يحسد ويحقد ويتمنى زوال النعمة عن فلان وإن حدثته في ذلك قال: أنت السبب، لماذا ذهبت بي عنده.

عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال إبليسُ: وعزَّتك لا أبرحُ أغوي عبادَك ما دامت أرواحُهم في أجسادِهم. فقال: وعزَّتي وجلالي لا أزالُ أغفِرُ لهم ما استغفروني) [المنذري وغيره] .

هؤلاء هم الغاوون رؤوس على تيوس، يتبعون كل ناعق، ضلوا بحماقة وظلوا بحماقة يركب عقولهم كل من يشاء متى يشاء وهم يستجيبون بخفة وسفاهة.

ولأن الغَواية من الضلال فإن الذين يُغوون الناس عادة هم أراذل المجتمع سواء في أفكارهم أو أخلاقهم أو سلوكهم مع الآخرين، وهم بالطبع الذين الذين يحاولون أن يتصدروا كل ما يلفت أنظار الناس إليهم من إعلام ووسائل تواصل وما يسمى بالسوشيال ميديا، يساعدهم في ذلك انحدار المجتمع، وانحطاط طريقة التفكير عند الناس.

أما الغوغاء والذين يتبعون كل ناعق، فإنهم ليسوا بمنأى عن المسئولية، ولذلك ترى أن الله تعالى قد شملهم في الوعيد مثلهم مثل أسيادهم المغوين، انظر إلى قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر: 42-43] وإلى قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) [فصلت: 29] بل إن إبليس نفسه وهو سيد المغويين يتبرأ من أتباعه الغاوين ويظهر كالحمل الوديع: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ الله رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) [الحشر: 16-17] وها هو يخاطب أتباعه لئلا يلقوا اللوم عليه، ويتحول بمخطابته إلى واعظ بعد أن كان مغوياً: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم: 22] .

فلا يظنن عوام الناس ومغموروهم أنهم بمفازة من تبعات ضلال الضالين إن اتبعوهم، ولا من غوايتهم إن هاموا وراءهم، فهذا فرعون قد تأله على قومه وتجبر وفسد، فاعتبر الله تعالى قومه من نفس جنسه وعلى نفس شاكلته، قال تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) [الزخرف: 54] وقال عز وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) [هود: 96-99] .

ونختم بهذه القصة عن العتابي وهو شاعر وقصاص: عن عثمان الوراق قال: رَأَيْتُ الْعُتَّابِيَّ يَأْكُلُ خُبْزًا عَلَى الطَّرِيقِ بِبَابِ الشَّامِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ! أَمَا تَسْتَحِي؟ فَقَالَ لِي: أَرَأَيْتَ لَوْ كُنَّا فِي دَارٍ فِيهَا بَقَرٌ أَكُنْتَ تَحْتَشِمُ أَنْ تَأْكُلَ وَهِيَ تَرَاكَ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَاصْبِرْ حَتَّى أُعْلِمَكَ أَنَّهُمْ بَقَرٌ، فَقَامَ فَوَعَظَ وَقَصَّ حَتَّى كَثُرَ الزِّحَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: رُوِيَ لَنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَن مَنْ بَلَغَ لِسَانُهُ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ لَمْ يَدْخِلِ النَّارَ. قَالَ: فَمَا بَقِيَ مُنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أخرج لِسَانه يومىء بِهِ نَحْوَ أَرْنَبَتِهِ وَيُقَدِّرُهُ هَلْ يَبْلُغُهَا. فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَالَ لِي الْعُتَّابِيُّ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ بَقَرٌ؟ [القصاص والمذكرين لابن الجوزي] .

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

[العين للخليل الفراهيدي، غريب الحديث لأبي عبيد بن سلام، الفروق اللغوية للعسكري، تاج العروس، لسان العرب، النهاية في غريب الحديث لابن الجزري، مقاييس اللغة، المخصص لابن سيده]

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.