الغاوون: توضيح واستدراك

نبهني أحد الإخوة الأفاضل الناصحين كما عهدته، إلى أن الله تعالى قال عن سيدنا آدم عليه السلام وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام أنه غوى فقال تعالى: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 121-122] فهل يتعارض هذا مع ما ذكرته الكلمة عن الغاوين، باعتبار أن سيدنا آدم عليه السلام (حاشاه) لن يكون منهم.

وارتأيت أن أنشر الرد للجميع، لأنني قصرت في ذكر هذه النقطة مما قد يوقع كلمتي في اللبس والشبهة.

لقد تحدثت عن الغاوين كمصطلح لمجموعة اتصفوا بالصفات التي ذكرتهم الكلمة السابقة، وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم في المواضع التي ذكرناها.

أما استخدام كلمة غوى فإنه استخدام لها بحسب معناها الذي اصطلح عليه أهل اللغة وهو الضلال والخيبة كما ذكره في القاموس المحيط ولسان العرب وغيرها من المراجع المعتمدة، وقد قال الطبري في تفسير الآية: (وقوله: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) يقول: وخالف أمر ربه، فتعدّى إلى ما لم يكن له أن يتعدّى إليه، من الأكل من الشجرة التي نهاه عن الأكل منها) ومنها قوله تعالى: {وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34] قال القرطبي: (أي يضلكم) وكذلك في قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ) [القصص: 18] قال ابن عاشور: (والغوي : الشديد الغواية وهي الضلال وسوء النظر، أي أنك تشاد من لا تطيقه ثم تروم الغوث مني يوماً بعد يوم، وليس المراد أنه ظالم أو مفسد لأنه لو كان كذلك لما أراد أن يبطش بعدوه) .

فوصف سيدنا آدم عليه السلام بأنه غوى استخدام لمعنى الكلمة، مع الإشارة إلى أن سيدنا آدم قد وقع في المعصية، وإبليس قد وقع في المعصية، إلا أن معصية آدم كانت عن شهوة وتبعتها توبة وندم فغفر الله له، أما إبليس فكانت معصيته عن استكبار فكانت كفراً لا يغفر.

أما الغاوون فقد ذكرتهم الكلمة السابقة كمجموعة من الإنس والجن، اتصفوا بالضلال والخيبة والتوجه هنا وهناك بلا رشد وشغلهم الشاغل اتباع المضلين والسير وراءهم. ونظرة إلى الآيات التي ذكرت الغاوين تراهم يتصفون بتلك الصفات.

قال تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِن دُونِ الله هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَالله إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} [الشعراء: 90-103] فالآية تبين أن ثمة فريقان كبكبوا في النار وهما الأصنام أو ما يُعبد من دون الله، والفريق الثاني وهم الغاوون.

وقال تعالى: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224] وأصدق تفسير لهذه الآية الذين يسيرون وراء الشعراء ويرددون كلامهم مهما كانت سخافته وانحطاطه. وهؤلاء ليسوا كل البشر بل من هيأ نفسه بالشهوة والهوى أو بالاستماع لمديح الشعراء لما فيه من إشباع نرجسيته، أو غير ذلك مما تراه في الواقع.

وترى إبليس قد انتبه لهذه النقطة انتباهاً يتناسب مع عمق عداوته وإصراره على إفساد الخلق، انظر إلى قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39-43] وفي هذا أنقل لك كلاماً جميلاً لابن عاشور في التحرير والتنوير إذ قال رحمه الله تعالى: (وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ سُنَّةً فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَسَلَّطُ إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَ غَاوِيًا، أَيْ مَائِلًا لِلْغَوَايَةِ مُكْتَسِبًا لَهَا دُونَ مَنْ كَبَحَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّرِّ. فَإِنَّ الْعَاقِلَ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ وَسْوَاسُ الشَّيْطَانِ عَلِمَ مَا فِيهِ مِنْ إِضْلَالٍ وَعَلِمَ أَنَّ الْهُدَى فِي خِلَافِهِ فَإِذَا تُوِفِّقَ وَحَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْهُدَى وَصَرَفَ إِلَيْهِ عَزْمُهُ قَوِيَ عَلَى الشَّيْطَانِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ، وَإِذَا مَالَ إِلَى الضَّلَالِ وَاسْتَحْسَنَهُ وَاخْتَارَ إِرْضَاءَ شَهْوَتِهِ صَارَ مُتَهَيِّئًا إِلَى الْغَوَايَةِ فَأَغْوَاهُ الشَّيْطَانُ فَغَوَى. فَالِاتِّبَاعُ مَجَازٌ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ وَاسْتِحْسَانِ الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .

وَإِطْلَاقُ الْغاوِينَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى الْحُصُولِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالْقَرِينَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَاوِيًا بِالْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ لِسُلْطَانِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَعَلُّقُ نَفْيِ السُّلْطَانِ بِجَمِيعِ الْعِبَادِ، ثُمَّ اسْتِثْنَاءُ مَنْ كَانَ غَاوِيًا. فَلَمَّا كَانَ سُلْطَانُ الشَّيْطَانِ لَا يَتَسَلَّطُ إِلَّا عَلَى مَنْ كَانَ غَاوِيًا عَلِمْنَا أَنَّ ثَمَّةَ وَصْفًا بالغواية هُوَ مهيىء تَسَلُّطِ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ عَلَى مَوْصُوفِهِ. وَذَلِكَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْغَوَايَةِ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، أَيْ بِالِاسْتِعْدَادِ لِلْغَوَايَةِ لَا بِوُقُوعِهَا) اهـ فالغاوون هم الذين ديدنهم الضلال والخيبة فيه.

شكر الله للأخ الناصح تنبيهه، وأدعو الجميع إلى التواصل معنا بالنصح والإرشاء، فبالنصح نصحح الخطأ، ونسد العجز، ونكمل النقص.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.