فوائد: من الليث إلى مالك

كنا قد وضعنا لكم رسالة الإمام مالك للإمام الليث بن سعد رحمهما الله تعالى.

واليوم نضع رسالة الإمام الليث بن سعد للإمام مالك رحمها الله تعالى رحمة واسعة، فلنعش مع رسائلهم قليلاً لنتعلم منهم أدب الخلاف، وأخلاق العلماء، ولنعرف كيف صاروا أئمة بحق، ولننظر إلى واقعنا المزري اليوم إذ صار ديننا نهباً لكل ناعق وناعقة يتحدثون فيه كما يشاؤون، فلا حامي له ولا محاسب لهم:

((سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ -عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، وَأَحْسَنَ لَنَا الْعَاقِبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ- فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ، تَذْكُرُ فِيهِ مِنْ صَلَاحِ حَالِكُمُ الَّذِي يَسُرُّنِي، فَأَدَامَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكُمْ، وَأَتَمَّهُ بِالْعَوْنِ عَلَى شُكْرِهِ، وَالزِّيَادَةِ مِنْ إِحْسَانِهِ.

وَذَكَرْتَ نَظَرَكَ فِي الْكُتُبِ الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ، وَإِقَامَتَكَ إِيَّاهَا، وَخَتْمَكَ عَلَيْهَا بِخَاتَمِكَ، وَقَدْ أَتَتْنَا فَجَزَاكَ اللَّهُ عَمَّا قَدَّمْتَ مِنْهَا خَيْرًا، فَإِنَّهَا كُتُبٌ انْتَهَتْ إِلَيْنَا عَنْكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَبْلُغَ حَقِيقَتَهَا بِنَظَرِكَ فِيهَا.

وَذَكَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أَنْشَطَكَ مَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ فِيهِ مِنْ تَقْوِيمِ مَا أَتَانِي عَنْكَ إِلَى ابْتِدَائِي بِالنَّصِيحَةِ، وَرَجَوْتَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَوْضِعٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْكَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا خَلَا أَنْ لا يَكُونَ رَأْيُكَ فِينَا جَمِيلًا، إِلَّا لِأَنِّي لَمْ أُذَاكِرْكَ مِثْلَ هَذَا.

وَأَنَّهُ بَلَغَكَ أَنِّي أُفْتِي بِأَشْيَاءَ مُخَالِفَةً لِمَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ عِنْدَكُمْ، وَإِنِّي يَحِقُّ عَلَيَّ الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِي لِاعْتِمَادِ مَنْ قِبَلِي عَلَى مَا أَفْتَيْتُهُمْ بِهِ، وَأَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّتِي إِلَيْهَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ، وَبِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ.

وَقَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي كَتَبْتَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَوَقَعَ مِنِّي بِالْمَوْقِعِ الَّذِي تُحِبُّ، وَمَا أَعُدُّ أَحَدًا قَدْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْعِلْمُ أَكْرَهَ لِشَوَاذِّ الْفُتْيَا، وَلَا أَشَدَّ تَفْضِيلًا لِعُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَا آخِذَ لِفُتْيَاهُمْ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنِّي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَا شَرِيكَ لَهُ [مما يُلفت إليه النظر هذا الأسلوب العالي، واللغة الأديبة، والخطاب الطافح بالمحبة والإجلال، والمقام مقام مناقشة في العلم والتصويب والتخطئة، فلله درهم ما أحرصهم على الأدب والألفة والمحبة والتقدير لآراء مخالفهم] .

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، وَنُزُولِ الْقُرْآنِ بِهَا عَلَيْهِ بَيْنَ ظَهْرَيْ أَصْحَابِهِ، وَمَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَأَنَّ النَّاسَ صَارُوا بِهِ تَبَعًا لَهُمْ فِيهِ فَكَمَا ذَكَرْتَ.

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أُولَئِكَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ خَرَجُوا إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتَغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَجَنَّدُوا الْأَجْنَادَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ، فَأَظْهَرُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ، وَلَمْ يَكْتُمُوهُمْ شَيْئًا عَلِمُوهُ.

وَكَانَ فِي كُلِّ جُنْدٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ يُعَلِّمُونَ لِلَّهِ كِتَابَ الله، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَيَجْتَهِدُونَ بِرَأْيِهِمْ فِيمَا لَمْ يُفَسِّرْهُ لَهُمُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، وَيُقَوِّمُهُمْ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ.

وَلَمْ يَكُنْ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ مُضَيِّعِينَ لِأَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا غَافِلِينَ عَنْهُمْ، بَلْ كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي الْأَمْرِ الْيَسِيرِ لِإِقَامَةِ الدِّينِ، وَالْحَذَرِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَتْرُكُوا أَمْرًا فَسَّرَهُ الْقُرْآنُ، أَوْ عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوِ ائْتَمَرُوا فِيهِ بَعْدَهُ إِلَّا أَعْلَمُوهُمُوهُ.

فَإِذَا جَاءَ أَمْرٌ عَمِل بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِصْرَ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَيْهِ حَتَّى قُبِضُوا لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِغَيْرِهِ، فَلَا نَرَاهُ يَجُوزُ لِلْأَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحْدِثُوا الْيَوْمَ أَمْرًا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ سَلَفُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُينَ لَهُمْ، حِينَ ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ وَبَقِيَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُشْبِهُ مَنْ مَضَى.

مَعَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَلَفُوا بَعْدَهُ فِي الْفُتْيَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَلَوْلَا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنْ قَدْ عَلِمْتَهَا، لَكَتَبْتُ بِهَا إِلَيْكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ فِي أَشْيَاءَ، بَعْدَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَنُظَرَاؤُهُ أَشَدَّ الِاخْتِلَافِ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُمْ، فَحَضَرْتَهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا ورأسهم يَوْمَئِذٍ فِي الْفُتْيَا ابْنُ شِهَابٍ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَكَانَ مِنْ خِلَافِ رَبِيعَةَ لِبَعْضِ مَا مَضَى مَا عَرَفْتَ وَحَضَرْتَ، وَسَمِعْتُ قَوْلَكَ فِيهِ وَقَوْلَ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَكَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ، وَغَيْرِ كَثِيرٍ مِمَّنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ، حَتَّى اضْطَرَكَ مَا كَرِهْتَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى فِرَاقِ مَجْلِسِهِ.

وَذَاكَرْتُكَ أَنْتَ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَعْضَ مَا نَعِيبُ عَلَى رَبِيعَةَ مِنْ ذَلِكَ، فَكُنْتُمَا لِي مُوَافِقَيْنِ فِيمَا أَنْكَرْتُ، تَكْرَهَانِ مِنْهُ مَا أَكْرَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ عِنْدَ رَبِيعَةَ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَعَقْلٌ أَصِيلٌ، وَلِسَانٌ بَلِيغٌ، وَفَضْلٌ مُسْتَبِينٌ، وَطَرِيقَةٌ حَسَنَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَوَدَّةٌ صَادِقَةٌ لِإِخْوَانِهِ عَامَّةً وَلَنَا خَاصَّةً، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَغَفَرَ لَهُ، وَجَزَاهُ بِأَحْسَنَ مِنْ عَمَلِهِ.

وكَانَ يَكُونُ مِنِ ابْنِ شِهَابٍ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ إِذَا لَقِينَاهُ، وَإِذَا كَاتَبَهُ بَعْضُنَا فَرُبَّمَا كَتَبَ إِلَيْهِ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ عَلَى فَضْلِ رَأْيِهِ وَعِلْمِهِ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَا يَشْعُرُ بِالَّذِي مَضَى مِنْ رَأْيِهِ فِي ذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي يَدْعُونِي إِلَى تَرْكِ مَا أَنْكرتَ تَرْكِي إِيَّاهُ.

وَقَدْ عَرَفْتُ مِمَّا عِبْتَ إِنْكَارِي إِيَّاهُ أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَمَطَرُ الشَّامِ أَكْثَرُ مِنْ مَطَرِ الْمَدِينَةِ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، لَمْ يَجْمَعْ مِنْهُمْ إِمَامٌ قَطُّ فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ، وَفِيهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَل» وَقَالَ: «يَأْتِي مُعَاذٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْعُلَمَاءِ بِرَتْوَةٍ» [الرتوة: الخطوة] ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ.

وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ بِمِصْرَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَبِحِمْصَ سَبْعُونَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَبِأَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهَا، وَالْعِرَاقِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَنَزَلَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ سِنِينَ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَطُّ.

وَمِنْ ذَلِكَ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُقْضَى بِالْمَدِينَةِ بِهِ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّامِ، وَبِحِمْصَ، وَلَا مِصْرَ، وَلَا الْعِرَاقِ، وَلَمْ يَكْتُبْ بِهِ إِلَيْهِمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، ثُمَّ وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَانَ كَمَا عَلِمْتَ فِي إِحْيَاءِ السُّنَنِ، وَقَطْعِ الْيَدِ، وَالْجِدِّ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ، وَالْإِصَابَةِ فِي الرَّأْيِ، وَالْعِلْمِ بِمَا مَضَى مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، فكَتَبَ إِلَيْهِ زُرَيْقُ بْنُ الْحَكَمِ: إِنَّكَ كُنْتَ تَقْضِي بِالْمَدِينَةِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّا كُنَّا نَقْضِي بِذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ، فَوَجَدْنَا أَهْلَ الشَّامِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا نَقْضِي إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.

وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَطُّ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَالسَّمَاءُ تَسْكُبُ عَلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بِخُنَاصِرَةَ [بليدة من أعمال حلب، تحاذي قنّسرين نحو البادية] سكباً.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقْضُونَ فِي صَدُقَاتِ النِّسَاءِ، أَنَّهَا مَتَى شَاءَتْ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مُؤَخَّرِ صَدَاقِهَا تَكَلَّمَتْ يدفَعُ ذلك إِلَيْهَا، وَقَدْ وَافَقَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَهْلُ الشَّامِ، وَأَهْلُ مِصْرَ، لمْ يَقْضِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ لِامْرَأَةٍ بِصَدَاقِهَا المؤخر إِلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ، أَوْ طَلَاقٌ، فَتَقُومُ عَلَى حَقِّهَا.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْإِيلَاءِ إنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ حَتَّى يُوقَفَ وَإِنْ مَرَّتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَقَدْ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الَّذِي كَانَ يُرْوَى عَنْهُ ذَلِكَ التَّوْقِيفُ بَعْدَ الأربعة أشْهُرِ – أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْإِيلَاءِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: لَا يَحِلُّ لِلْمُولي إِذَا بَلَغَ الْأَجَلَ إِلَّا أَنْ يَفِيءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، أَوْ يَعْزِمَ الطَّلَاقَ.

وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إِنْ لَبِثَ بَعَدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الَّتِي سُمِّيَ فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يُوقَفْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْإِيلَاءِ: إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بائنةٌ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِشَامٍ، وَابْنُ شِهَابٍ: إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ، وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ: إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمَرَهُ فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ، وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ، وَقَضَى بِذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُهُ.

وَقَدْ كَادَ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ عَلَى أَنَّهَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طَلَاقٌ، وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا بَانَتْ فِيهِ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَيَدْخُلُ بِهَا، ثُمَّ يَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُهَا، إِلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا فِي مَجْلِسِهِ فَيَقُولُ: إِنَّمَا مَلَّكْتُكِ وَاحِدَةً، فَيُسْتَخْلَفُ، وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ أَمَةً، ثُمَّ اشْتَرَاهَا زَوْجُهَا فَاشْتِرَاؤُهُ إِيَّاهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، وَكَانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ عَبْدًا فَاشْتَرَتْهُ فَمِثْلُ ذَلِكَ.

وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْكُمْ أَشْيَاءُ مِنَ الْفُتْيَا فاستنكرتها، وَقَدْ كُنْتُ كَتَبْتُ إِلَيْكَ فِي بَعْضِهَا [روى الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم بسنده عن الليث أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، مما قال مالك فيها برأيه، قال: ولقد كتبت إليه في ذلك، فلعله يشير هنا إلى تلك المسائل، ولكن أفكار العلماء في فهم السنة مختلفة، وآراءهم في شروط الأخذ والرد لأخبار الآحاد متباينة، فقد يختلف العالمان في فهم الحديث أو في ترجيح أحد المتعارضين على الآخر، فيرى كل منهما أن قول غيره مخالف للسنة] فَلَمْ تُجِبْنِي فِي كِتَابِي ، فَتَخَوَّفْتُ أَنْ تَكُونَ اسْتَثْقَلْتَ ذَلِكَ، فَتَرَكْتُ الْكِتَابَ إِلَيْكَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرْتُ وَفِيمَا أَرَدْتُ فِيهِ عَلم رَأْيِكَ.

وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ أَمَرْتَ زُفَرَ بْنَ عَاصِمٍ الْهِلَالِيَّ -حِينَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ- أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فأعظمتُ ذلك، لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم الجمعة، إلا أن الإمام إذا دنا فراغه من الخطبة حَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَدَعَا، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، وَقَدِ اسْتَسْقَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَغَيْرُهُمَا، فَكُلُّهُمْ يُقَدِّمُ الْخُطْبَةَ وَالدُّعَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فاستهترَ النَّاسِ فَعَلَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَنْكَرُوهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ فِي الْخَلِيطَيْنِ فِي الْمَالِ: إنَّهُ لَا تَجِبْ عَلَيْهِمَا الصَّدَقَةُ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، وَفِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الصَّدَقَةُ، وَيَتَرَادَّانِ بِالسَّوِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يُعْمَلُ بِهِ فِي وِلَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبْلَكُمْ وَغَيْرِهِ، وَالَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَلَمْ يَكُنْ بِدُونِ أَفَاضِلِ الْعُلَمَاءِ فِي زَمَانِهِ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ، وَغَفَرَ لَهُ، وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَصِيرَهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ وَقَدْ بَاعَهُ رَجُلٌ سِلْعَةً، فَتَقَاضَى طَائِفَةً مِنْ ثَمَنِهَا، أَوْ أَنْفَقَ الْمُشْتَرِي طَائِفَةً مِنْهَا، أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِهِ، وَكَانَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ إِذَا تَقَاضَى مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا، أَوْ أَنْفَقَ الْمُشْتَرِي مِنْهَا شَيْئًا، فَلَيْسَتْ بِعَيْنِهَا.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ تَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعْطِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ بِفَرَسَيْنِ، وَمَنَعَهُ الْفَرَسَ الثَّالِثَ، وَالْأُمَّةُ كُلُّهُمْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، أَهْلُ الشَّامِ، وَأَهْلُ مِصْرَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ، فَلَمْ يَكْنُ يَنْبَغِي لَكَ – وَإِنْ كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَجُلٍ مَرْضِيٍّ – أَنْ تُخَالِفَ الْأُمَّةَ أَجْمَعِينَ [قال العلامة الحجوي في الفكر السامي بعد أن ساق رسالة الليث: محصل الرسالة أن مالكاً أراد جمع الكلمة على عمل أهل المدينة وحديث أهل الحجاز لقوته، لكن الإمام الليث تمسك برأيه، وأن ما عليه أهل كل بلد له حجة وأصل، أما ما انتقده الإمام الليث من أقوال الإمام فكله أجاب عنه أصحابه في كتب الفقه والخلافيات، وليس المحل لاستقصاء ذلك، وإنما ذلك الكتاب صورة من صور النزاع الذي كان واقعاً في ذلك العصر، وصورة من أصول الفقه] .

وَقَدْ تَرَكْتُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ أَشْبَاهِ هَذَا، وَأَنَا أُحِبُّ تَوْفِيقَ اللَّهِ إِيَّاكَ، وَطُولَ بَقَائِكَ، لِمَا أَرْجُو لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَمَا أَخَافُ مِنَ الضَّيْعَةِ إِذَا ذَهَبَ مِثْلُكَ مَعَ اسْتِئْنَاسي بِمَكَانِكَ، وَإِنْ نَأَتِ الدَّارُ.

فَهَذِهِ مَنْزِلَتُكَ عِنْدِي وَرَأْيِي فِيكَ، فَاسْتَيْقِنْهُ، وَلَا تَتْرُكِ الْكِتَابَ إِلَيَّ بِخَبَرِكَ وَحَالِكَ، وَحَالِ وَلَدِكَ وَأَهْلِكَ، وَحَاجَةٍ إِنْ كَانَتْ لَكَ، أَوْ لِأَحَدٍ يُوصَلُ بِكَ، فَإِنِّي أُسَرُّ بِذَلِكَ، كَتَبْتُ إِلَيْكَ، وَنَحْنُ صَالِحُونَ مُعَافَوْنَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا وَإِيَّاكُمْ شُكْرَ مَا أَوْلَانَا، وَتَمَامَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ)) انتهى

[النص والتعليقات من كتاب: نماذج من رسائل الأئمة السلف وأدبهم العلمي. للشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله رحمة واسعة، مكتبة المطبوعات الإسلامية]

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.