عبادة الله تعالى

ملاحظة: هذه الكلمة: ليست في الفقه ولا في أحكام العبادات، وإنما في تعريف العبادة بشكل عام كي يدرك كل واحد منا معنى كونه يعبد الله تعالى، ليصب ذلك كله فيما أردناه من هذه الكلمات والله الموفق.

قلنا أن الدين واحد وهو توحيد الله تعالى وعبادته، أما التوحيد فهو لذوي الألباب أوضح من الشمس وهو توحيد الله الواحد الأحد وعدم الشرك به، قال تعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 73] (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) [الأنعام: 19] (حُنَفَاء لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: 30] (إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء: 48] وهو الأصل الذي يبنى عليه كل شيء، ولا قيمة لأي شيء ما لم يوحّد الله تعالى لا إله إلا هو.

أما أصل العبادة فهو من عبد وتعني اللين والذل، ولم يعد يستخدم لها فعل عند العرب كما قال الخليل: (وَلَمْ نَسْمَعْهُمْ يَشْتَقُّونَ مِنْهُ فِعْلاً، وَلَوِ اشْتُقَّ لَقِيلَ عَبُدَ، أَيْ صَارَ عَبْدًا وَأَقَرَّ بِالْعُبُودَةِ، وَلَكِنَّهُ أُمِيتُ الْفِعْلُ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ) ويبدو أن موت الفعل كان بسبب عدم استعماله، فمن ذا الذي يحب أن يكون عبداً لغيره ويطلب ذلك ويفعله؟

وقال الراغب الأصفهاني: (العُبُودِيَّةُ: إظهار التّذلّل، والعِبَادَةُ أبلغُ منها، لأنها غاية التّذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ) وعبّدت فلاناً أي اتخذته عبداً أي أخضعته وذللته قال تعالى: (أن عبّدت بني إسرائيل) [الشعراء: من 22] .

ومنه البعير المعبّد وهو المدهون بالقطران، وتستخدم كذلك بمعنى الذلول ويوصف بها البعير أيضاً وكذلك الطريق المعبد أي المسلوك المذلل لكل من أراد السير فيه.

فالعبادة هي الخضوع والتذلل وعندما تكون لله تعالى فهي الخضوع التام له جل وعلا تعظيماً له وتقرباً منه.

وعندما نقول أن الدين عند الله هو توحيده جل وعلا وعبادته وهذا ما جاء على لسان الرسل في دعوتهم لتوحيد الله وعبادته كما مر في الكلمات السابقة، فإن الذي يجب أن يدرك هو أن عبادة الله تعني الخضوع له والامتثال لما أمر به، وعندما يكون هذا التعريف واضحاً مدركاً فإن النفس تعيش معه عيشاً طبيعياً فهو يمسح من النفس كل هوى وتكبر، بل ويلغي أقل نظر في أقل تكليف فلا تتأثر النفس بهذا كله وهي بصدد مباشرة ما أمر الله تعالى به، بل تقبل عليه ملتزمة به كما جاء به الأمر بكل دقائقه، وتكون النتيجة المرجوة من ذلك كله إرضاء الآمر سبحانه وتعالى، ولن يكون إرضاءه بالطبع إلا كما يريد هو لا كما نريد نحن كما يفعل المحرّفون، ولا يكون أيضاً بعدم الإرضاء ابتداء كما فعل إبليس.

إننا في هذه الكلمة لا نعرف العبادة اصطلاحياً كما عرفها العلماء، وإنما نتحدث عن معنى أن يكون الإنسان عابداً لله تعالى، ولنضرب مثالاً: ما الفرق بين معنى أن تكون خادماً للناس وبين الخدمة التي تؤديها للناس، الأولى أن تكون مؤهلاً لخدمة الناس بلا تكبر ولا ملل فهي تتعلق بك أنت وباستعدادك لتكون خادماً للغير، بل وبفرحك بذلك، وهذا أرقى تطويع للنفس من أجل خدمة الغير، أما الخدمة ذاتها فهي بحسب احتياجات الناس وهي معروفة.

فمعنى أنني أعبد الله تعالى هو أنني أخضعت نفسي وعقلي وجوارحي لله تعالى بلا تكبر ولا استنكاف، وهي تأتي بعد الإيمان بوجود الخالق جل وعلا، فبعد أن يدرك العقل وجود الله تعالى وتستجيب النفس لهذا الإدراك فإنها تستشعر عظمة هذا الخالق فتخضع له منتظرة ما يأتيها منه لتلتزم به وتسير عليه.

ومثل المؤمن هنا كمثل الإنسان الأخرس الأبكم الأعمى المشلول فاقد القدرة على الحركة بل وعلى التنفس أيضاً، ثابت في مكانه كالحجر وأمامه في متناول يده كل ما يحب من المتع من طعام وشراب وغيرها ولكنه لا يملك أن يمد يده لشيء منها لأنه فاقد القدرة، بل لأنه مؤمن بالله تعالى فقد بدأ يتلقى الأوامر من الله بواسطة رسوله في كل شيء ليقوم به:

الحركة: بدأ يتحرك فيما يرضي الله بعد أن كان ثابتاً لا يستطيعها.

السمع: بدأ يسمع ما أذن له الله تعالى به، ويمتنع عن السمع فيما حرمه الله تعالى.

النظر: بدأ ينظر لما أباحه الله له، ويمتنع عن النظر إلى ما حرمه الله.

الكلام: بدأ يتكلم فيما أذن الله تعالى له به، ويمتنع عن المحرم من الكلام.

وهكذا فكل ما يقوم به بعد أن أسلم نفسه لله هو بإذن الله تعالى، لا يلتقط شيئاً من الأرض إلا بإذن الله تعالى، ولا يضع شيئاً عليها إلا بإذنه تعالى، لا يتعرض لأي مخلوق من المخلوقات بأي شيء إلا بإذن الله تعالى، كل شيء أمامه معصوم إلا ما أذن له الله أن يتناوله أو يتعرض له.

هو مقيد في كل شيء وينتظر الإذن لكل شيء، وهو فوق هذا كله يعيش في نفسية معينة مؤهلة للقيام بهذا كله، ويقاوم كل المؤثرات ليبقى في هذه النفسية ما دام حياً، تدبروا معي هذه الآيات لو تكرمتم:

(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) [السجدة: 15]

(إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ) [الصافات: 35-36]

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر: 60]

(لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لله وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ الله وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) [النساء: 172-173]

ولنقف قليلا مع كلمة يستنكف:

أصل النكف هو تنحية الدمعة التي تنزل من العين على الخد، قال الراغب: (أصله: من نكفت الشيء نحيته، ومن النكف وهو تنحية الدمع عن الخد بالأصبع) فهو وصف دقيق للقبول بكل ما أتاه صغيراً أو كبيراً لا فرق وهو لا ينحي شيئاً منه، والنكفة هي غدة وهما النكفتان غدتان تكتنفان الحلقوم (لعلها ما يطلق عليها الأطباء اليوم الغدة النكافية أو النكاف) ولصاحب المقاييس رأي بمعنى يستنكف أخذه من هذا المعنى فهو يقول: (نَكِفَ مِنَ الْأَمْرِ وَاسْتَنْكَفَ، إِذَا أَنِفَ مِنْهُ. مَعْنَى الْقِيَاسِ فِي هَذَا أَنَّهُ لَمَّا أَنِفَ أَعْرَضَ عَنْهُ وَأَرَاهُ أَصْلَ لَحْيِهِ، كَمَا يُقَالُ أَعْرَضَ إِذَا وَلَّاهُ عَارِضَهُ وَتَرَكَ مُوَاجَهَتَهُ. وَالْأَنِفُ مِنْ هَذَا، كَأَنَّهُ شَمَخَ بِأَنْفِهِ دُونَهُ. وَالْقِيَاسُ فِي جَمِيعِ هَذَا وَاحِدٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ) أما الاستكبار فهو إظهار العظمة، ويقول صاحب الفروق: (أي يستنكف عن الاقرار بالعبودية ويستكبر عن الإذعان بالطاعة) .

هذا معنى أن يعبد الإنسانُ اللهَ تعالى، وهنا يبدأ التشرف بهذه العبودية، فما أجمل أن تكون عبداً لله تعالى عابداً له، وما أعظم أن يصفك الله بذلك.

اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.