66) المحرومون من شفاعة المصطفى عليه السلام

قلنا من قبل أن من لا مغفرة لهم لا شفاعة لهم، وهم الكفار ومن على شاكلتهم من مرتدين ومنكرين للقرآن أو السنة.

فمن لا مغفرة له لا شفاعة له لأنها لن تنفعه؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] وقال عز من قائل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة: 72] وقال جلّ وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [المائدة: 36-37] وقال سبحانه: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 43-48]

ومنكروا الشفاعة محرومون منها أيضاً، وقد حذر منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأخبر عنهم، فيما رواه ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الرَّجْمُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَلَا تُخْدَعُوا عَنْهُ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجَمَ وَرَجَمْتُ أَنَا بَعْدُ وَسَيَجِيءُ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ وَيُكَذِّبُونَ بِالْحَوْضِ وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ) [رواه ابن أبي عاصم في السنة وعبد الرزاق في مصنفه، وفيه علي بن زيد سيء الحفظ وباقي رواته ثقات] وكنا قد ذكرنا قول أنس بن مالك رضي الله عنه في كلمة إنكار الشفاعة: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فيما رواه أبو معاوية الضرير عن عاصم الأحول: مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفَاعَةِ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ) . والصحيح أن إنكارها من الحماقة، ذلك أن إثباتها لا يضر المثبت بل ينفعه، ولو أثبتها -حسب اعتقاده- وحصلت استفاد منها وإلا فلا، أما أن ينكرها فهذا هو المضحك، وقد ذُكر أن معتزلياً حاور عالماً يقر بالشفاعة في مسألة عدم حصول أهل الكبائر عليها، ذلك أن المعتزلة لا ينكرون الشفاعة إلا لأهل الكبائر، ولما وصل الحوار بينهما أوجه، قال له العالم: حسناً، إذا جاء يوم القيامة ودخلت النار وحصلت لك الشفاعة لتخرج من النار فارفضها وقل: أنا أنكر الشفاعة فلا حاجة لي بها. بل إن هذه لن تحصل، لأنهم سيحرمون منها لإنكارها.

ومن المحرومين من الشفاعة الحاكم الظالم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا تَنَالُهُمَا شَفَاعَتِي سُلْطَانٌ ظَلُومٌ غَشُومٌ، وَغَالٍ فِي الدِّينِ» [الطبراني وابن أبي عاصم وابن سمعون في أماليه] قال المناوي في التيسير: (ظلوم أَي كثير الظُّلم، غشوم أَي جَاف غليظ قَاسي الْقلب ذُو عنف وَشدَّة) وقد بينا في كلمة سابقة بعنوان (المستظلون في ظل الله تعالى) ما للإمام العادل يوم القيامة، وبينا كذلك في كلمة أخرى في أحداث يوم القيامة بعنوان حكام وأغلال في الموقف ما هو حال الحاكم الظالم، وأشد من هذا كله حرمانه من الشفاعة. وظلم الحكام من أشد أنواع الظلم، فهو إن وقع لا يكون ظلماً لفرد بل لكل من يحكمهم الحاكم ويرعاهم.

روى الحاكم في مستدركه ووافقه الذهبي عن الرسول الكريم أنه قال: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُؤَمَّرُ عَلَى عَشَرَةٍ فَصَاعِدًا لا يُقْسِطُ فِيهِمْ إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الأصْفَادِ وَالأغْلالِ) . فكيف بمن يلي المئات والآلاف والملايين؟ وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلا أَتَى اللهَ مَغْلُولاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْثَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَة) [أحمد والطبراني]

قال النووي في المنهاج في شرح حديث التحذير من الإمارة: (هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي اجْتِنَابِ الْوِلايَاتِ لا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ تِلْكَ الْوِلايَةِ وَأَمَّا الْخِزْيُ والندامة فهو في حَقُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلاً لَهَا أَوْ كَانَ أَهْلاً وَلَمْ يَعْدِلْ فِيهَا فَيُخْزِيهِ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَفْضَحُهُ وَيَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلاً لِلْوِلايَةِ وَعَدَلَ فِيهَا فَلَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ تَظَاهَرَتْ بِهِ الأحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَحَدِيثِ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ وَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هُنَا عَقِبَ هَذَا أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فَلِكَثْرَةِ الْخَطَرِ فِيهَا حَذَّرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا وَكَذَا حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ وَامْتَنَعَ مِنْهَا خَلائِقُ مِنَ السَّلَفِ وَصَبَرُوا عَلَى الأذَى حِينَ امْتَنَعُوا)

والصنف الثاني كما جاء في الحديث هم الغلاة المارقون من الدين، وهم محرومون من شفاعة المصطفى عليه الصلاة والسلام، والغلو يدلُّ على ارتفاع ومجاوَزةِ قَدْر. يقال: غَلاَ السِّعر يغلو غَلاءً، وذلك ارتفاعُه. وغَلاَ الرَّجلُ في الأمر غُلُوّاً، إذا جاوَزَ حدَّه. قال المناوي في الفيض: (أي التشديد فيه ومجاوزة الحد والبحث عن غوامض الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها) والغلو مذموم بجانبيه سواء أكان سلبياً أم إيجابياً، مدحاً أم ذمّاً.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: الْقُطْ لِي حَصًى. فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ: أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ) [أحمد وابن ماجه] جاء في شرح البخاري لابن بطال: (فإذا أوجب الإنسان على نفسه شيئًا شاقًا عليه من العبادة فادحًا له ثم لم يقدر على التمادي فيه كان ذلك إثمًا، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الترهب. قال أبو قلابة: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قومًا حرموا الطيب واللحم، منهم عثمان بن مظعون وابن مسعود وأرادوا أن يختصوا، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فأوعد في ذلك وعيدًا شديدًا، ثم قال: إني لم أبعث بالرهبانية، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة، وإن أهل الكتاب إنَّما هلكوا بالتشديد، وشدَّدوا فشدد عليهم، ثم قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت واستقيموا يستقم لكم) [شرح صحيح البخاري لابن بطّال، 8/405 ، مكتبة الرشيد] .

قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] ويقول الإمام الطبري في تفسيره: (وهذا خطابٌ من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح {يا أهل الكتاب} ، يعني بـ{الكتاب}، الإنجيل{لا تغلوا في دينكم}، يقول: لا تفرِطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحقَّ إلى الباطل، فتقولوا فيه: {هو الله} ، أو: {هو ابنه} ، ولكن قولوا: {هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} {ولا تتبعوا أهواءَ قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا} ، يقول: ولا تتبعوا أيضًا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه، فتقولون فيه كما قالوا: (هو لغير رَشْدة) ، وتبهتوا أمَّه كما بَهَتُوها بالفرية وهي صدِّيقة {وأضلوا كثيرًا} ، يقول تعالى ذكره: وأضل هؤلاء اليهود كثيرًا من الناس، فحادوا بهم عن طريق الحق، وحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح {وضلوا عن سواء السبيل} ، يقول: وضلَّ هؤلاء اليهود عن قصد الطريق، وركبوا غير محجَّة الحق) [تفسير الطبري، 10/487 ، مكتبة ابن تيمية، أحمد ومحمود شاكر]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.