سورة البقرة مدنية!

سورة البقرة هي من أول ما نزل في المدينة المنورة من القرآن الكريم، ومن آخر ما نزل فيها أيضاً، إذ استمر نزولها من أول الهجرة إلى آخرها.

والناظر في حال الدعوة الإسلامية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة يجد فروقاً شتى بين المرحلتين، فالمرحلة المكية كانت مرحلة البعثة وبداية الدعوة النبوية، فغلب عليها طابع التربية والتثقيف والتعبد وتهيئة الجماعة المسلمة فكراً ونفسية، وبالتالي المعاناة والعذاب على أيدي أعداء الرسالة.

وفي المقابل لا تجد من الرسول عليه الصلاة والسلام وأتباعه أية أعمال مادية أو عسكرية منظمة إلا ما حصل من بعض الأفراد، والتي لا تعد من طبيعة الدعوة المكية، إذ لم يتخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المناوأة والقتال والاغتيالات طريقة في الدعوة، ولاحظوا أن عدم استخدام الشيء مع وجود الحاجة إليه وتيسره، له دلالة واضحة على تعمد تجاهله.

والرسول عليه الصلاة والسلام كان قادراً على مناوأة المشركين، بل وعلى نزع السيادة منهم له بالقوة؛ فهو مؤهل من كل ناحية، مؤهل بشخصه الكريم وبنسبه وبعائلته، وبمن معه من سادة قريش وفرسانها وبمن يناصره من العرب الذين يقرون لبني هاشم بالسيادة والشرف على سائر العرب، ولذلك فقد كان قادراً على فعل كل ذلك، بخلاف ما تم تكريسه في الأذهان من أن المسلمين كانوا مستضعفين لا حيلة لهم ولا قوة، وهذا الكلام يكون صحيحاً إن لم يكن بأيديهم أن يفعلوا شيئاً، ولكن بوجود الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ومن معه كحمزة وعمر وسعد عليهم رضوان الله تعالى وغيرهم من الصحابة، ووجود القدرة الميسورة لتهيئة السلاح البسيط في ذلك الوقت كما أسلفنا، فإن هذا الكلام يكون خطأ ولا يصح، إذ كان بمقدور المسلمين أن يشكلوا ميليشيات أو قوات أو فدائيين ليفعلوا الأعاجيب في المشركين، ولكنهم لم يفعلوا لأن الأمر الإلهي لم يأت بالإذن به.

ورد في سنن النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنَّ عبد الرحمن بنَ عوفٍ، وأصحابًا لَهُ أتَوا النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بمَكَّةَ فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا كنَّا في عزٍّ ونحنُ مُشرِكونَ، فلمَّا آمنَّا صِرنا أذلَّةً، فقالَ: إنِّي أُمِرتُ بالعفوِ، فلا تقاتِلوا)

وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والطبراني وهو حديث طويل عن بيعة العقبة الثانية: (. . . فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بن نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ أُؤمَرْ بِذَلِكَ)

ولأن المسلمين في مكة لم يجعلوا القتال طريقة لهم، ولم يمارسوه تجاه المشركين فقد قوّى هذا المشركين عليهم فعذبوهم واضطهدوهم، ورغم هذا كله ظل المسلمون على ما أمرهم به رسولهم عليه الصلاة والسلام، بل كان هذا كله تربية حقيقية لهم وتمحيصاً لإيمانهم، ظهر ذلك كله عليهم فيما سيأتي عند الحديث عن ظاهرة النفاق.

أخرج البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت رضي الله عنه: (شكونا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لهُ في ظلِّ الكعبةِ، قلنا لهُ: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو اللهَ لنا؟ قال: كان الرجلُ فيمن قبلكم يُحْفَرُ لهُ في الأرضِ، فيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثنتيْنِ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ. ويُمْشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، واللهِ ليُتِمَّنَ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموت، لا يخافُ إلا اللهَ، أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلونَ)

ولذلك ترى المرحلة المكية قد افترقت عن المدنية بعدم القتال، وبالدعوة السلمية أي بالفكر، وبالتربية والتثقيف للمسلمين كما كان يحصل في دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه، وبالصبر على أذى المشركين.

وللحديث بقية.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.