الهجرة: التحول العظيم

عندما قلنا في الكلمة الأولى من كلمات رمضان أن الرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه من الجماعة المسلمة في مكة لم يكونوا في وضع الضعيف الذي لا حيلة له، بل كان هذا نتيجة طبيعية لعدم الإذن بالقتال والمناوأة والأعمال المادية في تلك المرحلة.

كان لبعض الإخوة الأفاضل استفسارات في هذه النقطة بالذات، ذلك أن أحد الإخوة سأل: (كيف كان صلى الله عليه وسلم قادراً على نزع السيادة منهم بالقوة …وكان صلى الله عليه وسلم يدخل مكة مستجيراً؟ ويقول للعباس رضي الله عنه: ما أجد عندك أنت وقومك حماية؟) وأنقل لكم ردي على هذه النقطة المهمة لأهميتها ولعلاقته بكلمة اليوم كما سيأتي:

إن هناك فرقاً بين القدرة على القيام بالشيء وبين الامتناع عن القيام به، وهذا بالضبط ما حصل في مكة، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤذن له باستخدام الاعمال المادية كالقتال والمناوأة وهذا الذي جعله في موقف تراه أنت ضعيفاً، ولكن لو سألت نفسك السؤال التالي: لو أجاز الله تعالى لرسوله والمسلمين أن يقاتلوا المشركين ويغتالوا منهم أبا جهل وعتبة وأمية وأبي وغيرهم من الصناديد، فهل سيكون الرسول والمسلمين في موقف المستضعفين؟

أما الاستجارة فتدخل ضمن الفهم نفسه، فلأنه صلى الله عليه وسلم مُنع من القتال والقيام بأي عمل مادي، فإن هذا ما حمله أن يستجير ليدخل مكة، وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام لياسر بن عامر: صبراً آل ياسر لا أملك لكم من الله شيئاً، والسؤال: ألا يملك الرسول أن يجمع لهم أموالاً لتحريرهم؟ ألا يملك أن يكلف واحداً من أصحابه أن يقتل أبا جهل؟ نعم، يملك ذلك؛ ولكنه لم يفعل، لمنع الله ذلك في المرحلة المكية، وبهذا تتضح الصورة إن شاء الله تعالى، أما موضوع السيادة فإنها كانت لبني هاشم فهم أهلها بلا منازع، وكان أبو طالب سيد قريش إبّان بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن جعلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن أمراً عسيراً، ولكن الأمر لم يكن كذلك، وهذا ما ميز المرحلة المكية فلم يكن فيها سلطة ولا قتال ولا طلب ملك.

ولو نظرنا إلى تغير الواقع من مكة إلى المدينة لاستطعنا تصور الواقع في مكة بدقة متناهية، صحيح أن الإسلام هو خاتمة الرسالات وأن الله تعالى أنزله ليكون منهاجاً للبشر في حياتهم ينظمها من الألف إلى الياء، مما صغر واستدق في أعينهم إلى ما كبر وعظم في حياتهم، يصدّق ذلك تغير الحال في المدينة وتحول الإسلام إلى منهج حكم، ومبايعة المسلمين الرسول عليه الصلاة والسلام على الحكم، إلا أن المرحلة المكية لم تكن فيها دولة ولا قتال ولا سلطة ولا سيادة قانون ولا معاهدات ومواثيق وهذا اختلاف مهم لا بد من الانتباه إليه.

أما المرحلة المدنية فمن أهم سماتها الإذن بالقتال بعد أن لم يكن في مكة كما بينا فيما سبق، وقد جاء الإذن للرسول عليه الصلاة والسلام ولجماعة المسلمين قبيل الهجرة، وكأن الله جل وعلا أراد لرسوله أن يحمل التشريع معه قبل دخوله المدينة:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون،َ لَيَهْلِكُنَّ، فَنَزَلَتْ: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} قَالَ: فَعُرِفَ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ) [أحمد والترمذي وغيرهما] وبالفعل وعلى خلاف ما ذكره المستشرقون وغيرهم من أبناء المسلمين من تصوير واقع الحرب بين المسلمين والمشركين أنها محض دفاع واسترداد للأموال، فقد كانت أول سرية أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سبعة أشهر من هجرته هي سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه إلى سيف البحر في ثلاثين من المهاجرين فاعترضت قافلة لقريش جاءت من الشام وفيهم أبو جهل وكان عددهم ثلاثمئة راكب من أهل مكة، فاصطف فريق المسلمين وفريق المشركين للقتال، ولكن وقف بينهم مجدي بن عمرو وكان حليفاً للمسلمين والمشركين ليمنعهم من القتال فلم يتقاتلوا وانصرف حمزة ومن معه إلى المدينة، وتتالت السرايا بعدها والغزوات إلى غزوة بدر الكبرى، وهذا يعطينا تصوراً واضحاً عن اختلاف الحال بشكل كلي بعد أن صدر الإذن من الله تعالى بالقتال بعد إذ لم يكن. ووجود فكرة القتال في المجتمع بحد ذاتها كفيل بأن يعطي المجتمع قوة مادية ولو لم تستخدم هذه القوة، وهذا ما يُنبت فيه المنافقين والطابور الخامس كما يسمونه اليوم.

ومن أهم سمات التحول في الدعوة الإسلامية من المرحلة المكية إلى المرحلة المدنية هو التحول من الدعوة الفكرية المحضة إلى دور التمكين، فصار الرسول الكريم حاكماً، وصار المسلمون رعايا في دولة تحكمهم بالرسالة التي جاءهم بها الرسول، وهذا التحول هو الأمر الطبيعي لهذه الرسالة، لأن الله تعالى لم ينزل هذه الرسالة لتكون رسالة نظرية وتعاليم وعظية، بل أنزلها لتكون منهجاً للبشرية؛ قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] وقال جل وعلا: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 48-50] .

والدولة ليست مباني ومؤسسات ووزارات كما يظن أو يزعم كل من يريد أن ينفي عن الإسلام دولته، وعن رسول الإسلام أنه كان حاكماً فيها، لا، الأمر ليس كذلك، الدولة هي أرض تجمع عليها أناس اتفقوا على منهج يسودهم وجعلوا بينهم من يطبق عليهم هذا المنهج وأعطوه من القوة ما يحمي المنهج ويحقق سيادته على الأرض.

هذه هي الدولة في كل مكان منذ أن خلق الله البشر: قانون يطبق على بشر وقوة مادية تحمي هذا القانون، ولو أسقطت هذا الوصف على دولة الروم والفرس ومملكات العرب بل وحتى الكيانات المنتشرة في الجزيرة لوجدت أنها كلها دول بالمفهوم المبسط للدولة، ولو أسقطت هذا الوصف أيضاً على دول اليوم لوجدتها كذلك.

فلا تذهبنّ بعيداً بالاغترار بما تراه من مباني ومؤسسات ووزارات وحدود وغير ذلك مما صار طبيعياً في الدول المعاصرة، فتظن أن هذه هي الدول وما عداها فلا.

حاكم عنده قانون يطبقه على مجموعة من الناس إن بالسلب أو بالإيجاب، وعنده قوة مادية تحمي تطبيقه للقانون وتحمي الأرض التي يعيش عليها رعاياه. وهذا ما تحقق في المدينة المنورة إذ كانت عاصمة الدولة الإسلامية الأولى التي بدأ حكمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خلفه خمسة من الخلفاء الراشدين، في خلافة راشدة على منهجه عليه الصلاة والسلام، وذلك قبل أن تتحول إلى ملك.

أما مشركو قريش فإنهم أكثر فهماً وأرهف حساً وأكثر استشرافاً للمستقبل من هؤلاء الذين خُدعوا بالمباني والمؤسسات، فهم -أي المشركون- أدركوا خطورة خروج الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة، وتحوله إلى المدينة، لأنهم أدركوا من أول يوم أنه ليس واعظاً ولا مرشداً اجتماعياً مثل من كان في مكة من المصلحين وإنما صاحب رسالة أتت لتقلب الواقع وتغير المقاييس وتنقل البشر من حياة إلى حياة، ولذلك أدركوا خطورة الهجرة النبوية وحاولوا منعها، ثم حاولوا قتله عليه الصلاة والسلام في محاولة جريئة غير مسبوقة منهم، لأنها في نظرهم كانت هي آخر الدواء وهو الكي. وليت قومي يدركون خطرهم على أعداءهم كما يدركه أعداؤهم.

ولذلك توافق الصحابة الكرام وعلى الأخص عمر وعلي رضي الله عنهما بما ألهمهم الله تعالى من استشعار، وما جعل فيهم من رشد على التأريخ بهجرة النبي عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.

جاء في فتح الباري لابن حجر: (وذكروا في سبب عمل عمر التاريخ أشياء: منها ما أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه ومن طريقه الحاكم من طريق الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر: إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم: أرخ بالمبعث، وبعضهم: أرخ بالهجرة. فقال عمر: الهجرة، فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة. فلما اتفقوا قال بعضهم: ابدءوا برمضان. فقال عمر: بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم، فاتفقوا عليه.

وقيل أول من أرخ التاريخ يعلى بن أمية حيث كان باليمن. أخرجه أحمد بن حنبل بإسناد صحيح، لكن فيه انقطاع بين عمرو بن دينار ويعلى، وروى أحمد وأبو عروبة في “الأوائل” والبخاري في “الأدب” والحاكم من طريق ميمون بن مهران قال: رفع لعمر صك محله شعبان فقال: أي شعبان؛ الماضي أو الذي نحن فيه، أو الآتي؟ ضعوا للناس شيئاً يعرفونه. فذكر نحو الأول.

وروى الحاكم عن سعيد بن المسيب قال: جمع عمر الناس فسألهم عن أول يوم يكتب التاريخ،

فقال علي: من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك. ففعله عمر. وروى بن أبي خيثمة من طريق بن سيرين قال قدم رجل من اليمن فقال رأيت باليمن شيئاً يسمونه التاريخ يكتبونه من عام كذا وشهر كذا فقال عمر: هذا حسن فأرخوا. فلما جمع على ذلك قال قوم: أرخوا للمولد، وقال قائل: للمبعث، وقال قائل: من حين خرج مهاجراً، وقال قائل: من حين توفي، فقال عمر: أرخوا من خروجه من مكة إلى المدينة. ثم قال: بأي شهر نبدأ؟ فقال قوم: من رجب. وقال قائل: من رمضان. فقال عثمان: أرخوا المحرم فإنه شهر حرام وهو أول السنة ومنصرف الناس من الحج قال وكان ذلك سنة سبع عشرة وقيل سنة ست عشرة في ربيع الأول فاستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم) اهـ

ولا يسبق الهجرة كنقطة تحول في تاريخ البشرية إلا مبعثه عليه وآله أفضل الصلاة والسلام.

وبعد انتهائنا من هذه المقدمة التمهيدية لتصور التغير بين المرحلتين المكية والمدنية، سنشرع بإذن الله تعالى في المضي قدماً حول ما سنستفيده من هذه السورة الكريمة إن يسر الله تعالى.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.