المسلم والقرآن الكريم

يسأل المسلم الذي لم يتلق علوماً في اللغة ولا في التفسير ولا في الفقه، السؤال التالي:

وأنا أقرأ القرآن الكريم، مع كوني أتكلم بالعربية وإن لم تكن فصحى، هل يحق لي أن أفسره مع عدم توافر العلوم عندي، أم ليس لي إلا أن أقرأ فقط؟

الكثير عندما يقرأ في كتاب الله فإنه يفهم معاني الآيات، ولو لم يؤت من العلم ما يجعله مفسراً، وهذا من تيسير الله عز وجل، قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر: 17] ولذلك فإن كل من يتحدث العربية ولو لم يحسنها، فإنه بمجرد أن يقرأ آيات القرآن الكريم لا بد أن يفهم شيئاً من المعنى أو على الأقل أن يفهم ما يراد منه كمسلم يقرأ كتاب الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) [الإسراء: 9] وقال عز من قائل: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً) [الإسراء: 82] فهو يفهم ويستوعب ويستفيد مع إقراره بعدم قدرته على تفسير الآية، وعدم معرفة الحكم الذي يستنبط منها، أو حتى عدم قدرته على استخراج ما فيها من إعجاز لغوي، ولكنه مع هذه القدرات المتواضعة فإنه يستفيد من كتاب الله أيما استفادة.

وهذا أمر طبيعي فالقرآن الكريم نزل باللسان العربي (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف: 2] وقال جل وعلا: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) [طه: 113] هذه اللغة التي لم تندثر بل على العكس فقد خُدمت أيما خدمة، وظلت هي لغة العرب من المسلمين، ولغة من تعلمها من الأعاجم، ولذلك فمن الطبيعي أن يفهم كل من يقرأ القرآن معاني الآيات ولو بشكل إجمالي، فيعرف أن هذه آية رحمة وتلك آية عذاب، وهذه تتضمن قصة نبي وتلك تتضمن أحكاماً شرعية، فإذا قرأ المسلم قوله تعالى: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) [الإسراء: 9] فإنه يدرك معنى هذه الآية الكريمة، ويستشعر معناها في نفسه، فتحركه للطاعة وللاستزادة من الهدى، إلا أنه قد لا يعرف الفرق بين الأجر والثواب، أو الكبير والعظيم، وكذلك عندما يقرأ قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16] فإنه يذرف الدموع خاشعاً لله تعالى، مع أنه لا يعرف الفرق بين الخشية والخوف والوجل والخشوع، ولا يحسن التفريق بين كثير وأكثر، وإذا ما تلا قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات: 22-23] فإن جلده يقشعر، ويؤمن إيماناً لا ريب فيه بأن الله تعالى هو الرازق ولا رازق غيره، مع أنه لا يعرف أنواع القسم الواردة في الآية، ولا يعرف لماذا جاءت فيها كلمة ربّ ولم تأت كلمة خالق أو إله، وهو مع هذا كله – وهذا حال كل المسلمين تقريباً – لا يجرؤ على تفسير آية ولا إعطاء رأي ولا استنباط حكم. وإن أراد الاستزادة فإنه يرجع إلى أهل العلم الذين يملكون من الآلة ما يؤهلهم أن يفتوا في دين الله ويفسروا كتاب الله ويستنبطوا أحكام الله تعالى.

وهذا شأن كل من عرفناهم من آباء وأمهات وأجداد وجدات وعوام المسلمين، فهم يقرؤون كتاب الله ويفهمون المقصود من آياته بما يعينهم ويهديهم ويزيد من تقواهم ويقربهم إلى الله تعالى. وهم من التقوى والورع أنهم لا يتجاوزون حدود قدراتهم وهم يتدبرون آيات الله ويتلونها آناء الليل وأطراف النهار، ولذلك فهم في دائرة الخير إن شاء الله تعالى، لأنهم لم يخوضوا في آيات الله ليستخرجوا منها ما ليس فيها، أو ليعطوها من المعاني ما لا تحتمله.

ولكن المشكلة في فئة من بعض هؤلاء أو ممن هم أكثر تعلماً منهم، وهم أولئك الذين تلقوا بعض العلوم، أو درسوا في المدارس فظنوا أنهم قادرون على تفسير آيات القرآن الكريم بما تؤدي إليه آراؤهم.

وخطر هؤلاء أنهم يحمّلون كتاب الله ما لا يحتمل، ويفهمون من النصوص ما لا يصح، وهم إذا ما استمروا في ذلك وبدأت عقولهم تصور لهم معاني جديدة لم يقل بها العلماء أو لا تحتملها النصوص فإنهم يوغلون في هذا الخطر، خاصة إذا وجدوا من الجهال من يستمع إليهم فينبهر بهم.

وقد ساعد على إظهار هؤلاء ورواج بضاعتهم أرضية خصبة وهي خليط من انعدام العلم الشرعي، وضعف مناهج التعليم، والانغماس في الدنيا وملذاتها، والانشغال باللهو عن دين الله تعالى،  وعدم الرجوع إلى علمائنا الأوائل، فعمّ الجهل وقلّ العلم، حتى أنك ترى في المجلس الواحد من يتصدر لآية من القرآن الكريم فيفسرها على رأيه وهواه، وقد يفسر معاني الكلمات الواردة فيها بحسب لهجته المحلية، ويستخرج منها أحكاماً، ويوافقه الحضور وقد يتأثرون به ويسيرون على منهجه، في الوقت الذي لا يحسن فيه هذا المتصدر قراءة الآية ولا يعرف من اللغة إلا ما لا يعينه على تفسيرها، ناهيك عن عدم علمه بالآيات والأحاديث المتعلقة بالآية موضع التفسير والنقاش، وأقرب مثال على ذلك استشهاد البعض بقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) [المائدة: 91] على عدم حرمة الخمر مستدلين بقوله تعالى: (فهل أنتم منتهون) وأنه مجرد سؤال لا يفهم منه تحريم، أو قول بعضهم عن الصحف في قوله تعالى: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: 10] أنها الجرائد والمجلات الموجودة في أيامنا هذه. أو استشهاد بعض عوام المسلمين وبخاصة الشباب من الذكور والإناث بقوله تعالى: (فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ) [إبراهيم: من الآية 4] إذ يصر على المعصية ويقول: لم يهدني الله فماذا أفعل؟

وضاع التخصص، وساخ سؤال أهل العلم في هذه الأرضية الخصبة، فصار القرآن الكريم والحديث الشريف وأحكام الشرع لعبة عند الجميع، الكل يتحدث فيها، بلا تردد ولا استحياء، حتى صار من المقبول أن يتناول القرآن أو الحديث أو أحكام الإسلام مقدموا البرامج والمطربون والممثلون بل والراقصون والراقصات، بينما لا تجد في سائر العلوم التخصصية أحداً يجرؤ على الحديث فيها ما لم يكن متخصصاً، لأن التخصص عندهم محترم وله أهمية، فلا تجد عامياً يتحدث بالطب، ولا تجد مقابلة مع أديب عن الميكانيكا، ولا تجد مهندساً يتحدث في الأحياء. حتى أضحى الدين نهباً للساقطين والساقطات يتحدثون فيه كما يشاؤون بلا حسيب ولا رقيب ولا رعاية حاكم، فيؤتى بالساقط أخلاقياً الفاشل اجتماعياً الجاهل علمياً ليتصدر في الإفتاء والتفسير والتحليل.

هذا فيما يتعلق بالذين لا يملكون من العلم اللغوي والشرعي ما يمكنهم من تفسير آيات القرآن الكريم، وهم على كل حال أقل خطراً ممن يملكون هذين العلمين ولكنهم يفسرون القرآن الكريم بأهوائهم وآرائهم.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.