تفسير القرآن بالرأي

أخرج الترمذي: (عن جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم، وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم. وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا، أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم. حدثنا الحسين بن مهدي البصري، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً) [سنن الترمذي]

وأجمل ما قيل في التفسير بالرأي ما قاله ابن كثير رحمه الله في مقدمة تفسيره: (فهذه الآثار الصحيحة عن السلف وما شاكلها محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعاً فلا حرج عليه ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه) اهـ [تفسير ابن كثير 1/13]

وقد يظن بعض من توافرت لديهم المعرفة اللغوية أنهم قادرون على تفسير القرآن الكريم كما يشاؤون، وبالتالي تراهم قد أحدثوا من معاني الآيات ما لا تحتمله، وهذا خطأ كبير، إذ إن القرآن الكريم نزل بلغة العرب ومعرفة الكلمة الواردة فيه لا يجوز أن تخرج عما تواضع عليه العرب في لغتهم، فلا يصح أن تعطى كلمة معنى لم يرد لها أصلا عند العرب، ومن ذلك أن تقرأ كلمات القرآن كما قرأها رسول الله عليه الصلاة والسلام بالسماع عنه وعن من سمع عنه وهكذا، لأن القرآن نقل إلينا بالسماع، وطريقة لفظ الكلمة تكون بالسماع، فتقرأ ألم في البقرة ألف لام ميم، وتقرأ ألم في سورة الشرح ألم، مع تماثل الاثنتين في الكتابة.

وقد يكون للكلمة الواحدة أكثر من معنى، وفي هذه الحالة يأتي دور علماء اللغة والفقهاء فيذهب كل إلى حسب ما يراه باجتهاده وفق الضوابط، فمثلاً (وردت كلمة قرء في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) [البقرة: من 228] وقد ذهب الحجازيون من الفقهاء إلى أنه الطهر وهو مروي عن عثمان وعائشة وزيد بن ثابت، وذهب العراقيون إلى أنه الحيض وهو قول علي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري، ولكل فريق شواهد من اللغة فمثلاً:

الفريق الأول استدل بقول الأعشى [وهو ميمون بن قيس الوائلي، أبو بصير المعروف بالأعشى الأكبر ت 7 هـ، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات، أدرك الإسلام ولم يسلم] :

أفي كلّ عام أنت جاشِم غزوة ،،، تشدّ لأقصاها عزيمَ عزائكا

مورّثة مالاً وفي الحي رفعةٌ ،،،، لما ضاع فيها من قُروء نسَائكا

فالشاعر يقول للممدوح [وهو هوذة بن علي الحنفي كان حاكم اليمامة وكان نصرانياً، وكان من ضمن الملوك الذين بعث إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام كتبه، وكان حليفاً لإمبراطور فارس] : إن لك في كل عام غزوة تتجشمها تجمع لها صبرك وجلدك فتعود منها بالمال والمجد الذي يعوضك عما عانيت من البعد عن نسائك، فالغزو قد أضاع أطهارهن. فلم يغش النساء للغيبة عنهن.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري النحوي: أقرأت النجوم بالألف معناه غابت، ومنه قرء المرأة في قول من زعم أنه طهرها لأنها خرجت من الحيض إلى الطهر كما خرجت النجوم من الطلوع إلى المغيب. [الأصمعي، الأضداد] .

وأما حجة العراقيين فمن الحديث قول الرسول عليه الصلاة والسلام للمستحاضة: «اقعدي عن الصلاة أيام أقرائك» [البخاري] ومن اللغة فقول الراجز:

يا رُبّ ذي ضِغْن عليّ فارضٍ ،،، لهُ قروءٌ كقُرء الحائضِ

وقد حكى يعقوب بن السكيت وهو من أئمة اللغة والأدب وغيره من اللغويين أن العرب تقول: أقرأت المرأة إذا طهرت وأقرأت إذا حاضت، وذلك أن القرء في كلام العرب معناه: الوقت فلذلك صلحا للطهر والحيض معاً، يقال: حان قرء الشيء وقارئ الشيء أي وقته، ومنه قول مالك بن الحارث الهذلي وهو أحد بني كاهل من المخضرمين:

كرهتُ العَقْرَ عقرَ بني شليْلٍ ،،،،، إذا هبّت لقارئها الرّياح

واحتج الحجازيون أيضاً لقولهم بقوله تبارك وتعالى: {ثلاثة قروء} فأثبت الهاء في ثلاثة، فدل على أنه أراد الأطهار ولو أراد الحيض لقال: ثلاث قروء. لأن الحيضة مؤنثة، ورد العراقيون بأن هذا لا حجة فيه عند أهل النظر لأنه لا ينكر كلام العرب أن يكون القرء لفظاً مذكراً يراد به المؤنث ويكون تذكير ثلاثة حملاً على اللفظ دون المعنى كما تقول العرب: جاءني ثلاثة أشخاص، وهم يعنون نساء [ابن جني: الخصائص، يقول: وتذكير المؤنث واسع جداً لأنه رد فعل إلى أصل] والعرب تحمل الكلام تارة على اللفظ وتارة على المعنى.

[بتصرف يسير من كتاب الاستدلال وأثره في الخلاف الفقهي، أ.د. هشام قريسة، ص 58-59، دار ابن حزم]

وقد شاء الله تعالى أن يذكر كلمة قرء، وبها حصل الاختلاف وهو رحمة منه تعالى، كما قيل أن تلميذاً للإمام أحمد أراد أن يؤلف كتاباً في اختلاف الفقهاء فقال: أسميه الاختلاف. فقال له الإمام أحمد: بل سمه الرحمة. ولو أن الله تعالى قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة شهور أو تسعين يوماً لما احتاج الأمر لكل هذا. ولكنها رحمة الله تعالى لعباده وتيسيره عليهم. ولذلك اختلفت الاستدلالات باختلاف الأفهام، وما دام الجميع في دائرة الإسلام وما دامت النصوص الشرعية هي التي تقودهم، وما داموا يفهمون النصوص وفق قواعد اللغة وضوابطها وملكوا بذلك الآلية والأهلية والقدرة، فهم على خير.

ذكرت هذه الأمثلة، ومثلها كثير لندرك أهمية معرفة معاني الكلمات وما تواضع عليه أهل اللغة، لئلا يكون كتاب الله تعالى لعبة بأيدي السفهاء، وها أنتم ترونهم اليوم وقد أحلّوا كل حرام وافتروا الكذب في دين الله تعالى فضلوا وأضلوا كثيراً من عباد الله.

فشواهد اللغة العربية إذن حجة في تفسير معاني الكلمات لأن القرآن نزل بها، ولا يصح أن تفسر كلمة أو تعطى معنى يخرجها عما تواضع عليه العرب.

ولا بد من مراعاة تفسير القرآن بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والعلماء السابقين، وإليك البيان:

التفسير بالقرآن:

ففي قوله تعالى في سورة الفاتحة: {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} يعرف من هم المغضوب عليهم من قوله تعالى فيهم: {فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [البقرة: 90] وقوله جل وعلا فيهم أيضاً: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة: 60] وقوله عز من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] كما ورد في السنة أنهم هم اليهود.

التفسير بالسنة:

أخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قيل لبني إسرائيل: {وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ} [البقرة: من 58] فدخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا حبة في شعرة» [البخاري: التفسير، مسلم: أول كتاب التفسير] .

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: في قوله تعالى: ]وكذلك جعلناكم أمة وسطاً[ [البقرة: 143] قال: عدلاً» [أحمد والترمذي والحاكم وصححاه] وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد. فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فذلك قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: من 143] والوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم» .

التفسير بالمأثور عن الصحابة:

قال عمر رضي الله عنه يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : «فيم ترون هذه الآية نزلت: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266] ؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال عمر: يا أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس: ضُربت مثلاً لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله» [البخاري: كتاب التفسير] .

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.