معنى الكلمة

كون القرآن الكريم نزل بلغة العرب (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) [النحل: 103] .

فإن هذا يقتضي معرفة معنى كل كلمة من كلماته من لغة العرب الذين نزل القرآن بلسانهم هم وليس بألسنة غيرهم، وليس كما يفعل البعض في تفسير كلمات القرآن فيأخذ معانيها من الدارج بين الناس أو يبتدع لها معنى من هواه، فيقرأ أحدهم قوله تعالى: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) [التكوير: 10] ويفسر كلمة الصحف كما يراها في حياته اليومية فيقول هي الجرائد، أو كمن يستدل على أن الرسول يقرأ ويكتب، بأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يكتب كتباً إلى الملوك، دون أن يرجع إلى كلمة كتب في اللغة وأنها تعني الجمع ولا تعني الكتابة باليد أو الخط إلا بقرينة، فالكتابة لا تعني الخط باليد ما لم يأت ما يدل عليها كقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: 79] ولو أنصف هؤلاء لأنصفهم الدارج في هذه بالذات فالكتابة لا تعني اليوم الخط باليد، فالملك أو الرئيس يكتب كتاباً بمعنى أنه يأمر بكتابته ولا يكون منه إلا إذا ختمه بختمه، ولذلك فلا تجد أحداً من الناس يظن أن الكتاب الفلاني الذي كتبه الرئيس هو بخط يده.

فلا بد من الوقوف على معنى الكلمة في وضعها اللغوي لإدراك حقيقتها ولمعرفة فائدة استخدامها في النص وعدم استخدام كلمة أخرى مشابهة لها في المعنى أو في اللفظ.

فمعرفة معنى الكلمة الذي تواضع عليه العرب إذاً مهمة جداً، ذلك أن اللغة بالمعنى المبسط لها هي ألفاظ تدل على معاني، ولذلك فإن معرفة هذه الألفاظ تقتضي معرفة ما تواضع عليه أهلها من معاني، فاجتماع القاف واللام والميم بلفظ واحد لا قيمة له إلا إذا أعطاه الجامع معنى معيناً، وتواضعُ العرب على هذه الثلاث (قلم) أعطى اللفظ معنى خاصاً وهو القلم المعروف، ولذلك فمن يريد معرفة معنى أي لفظ من الألفاظ من أي لغة فإن عليه أن يعرف معنى هذا اللفظ عند الذين وضعوه لا غيرهم، فمن يقرأ اللغة الصينية لا يحق له أن يفسر كلماتها وفق ما يراه أو يشتهيه أو ما درج على ألسنة العامة، بل عليه أن يرجع إلى أهل اللغة الصينية ليعرف معنى الكلمة الذي تواضع عليه أهلها.

هذه قاعدة مهمة في فهم ألفاظ كتاب الله تعالى، وفي معرفة معاني كل الألفاظ الموجودة في الدنيا، وما الانحراف والضياع والزيغ إلا بإضفاء معاني لا أصل لها على كلمات العرب وبالتالي على كلمات القرآن الكريم، وهذا الذي يفسر لنا انحراف الكثيرين من أبناء المسلمين، وانبهار بعضهم بمن يفسر القرآن الكريم بعيداً عن معاني الكلمات وقواعد اللغة، وذلك لجهل أو لهوى.

لهذا كله يجب الوقوف على معنى الكلمة في وضعها اللغوي لإدراك حقيقتها ولمعرفة فائدة استخدامها في النص وعدم استخدام كلمة أخرى مشابهة لها في المعنى أو في اللفظ.

وإدراك أن معنى الكلمة يؤخذ من لغة العرب الذين نزل القرآن بلسانهم أمر مهم جداً كذلك، وفي هذا حماية أكيدة لكلمات اللغة وبالتالي لكلمات القرآن الكريم ألاّ تعطَى معنى مخالفاً لما تم التواضع عليه، فالقرآن الكريم عندما يذكر كلمة شجرة فإن معناها لا يؤخذ من العقول، إذ ليس للعقل دور في إدراك معنى كلمة شجرة ابتداء، فدوره يقتصر على الحكم بوجودها من إحساسه بوجودها سواء أكان هذا الإحساس رؤيتها، أم القطع بوجودها لأثر يدل عليها، فالعقل يقطع بوجود الشجرة لوقوع الإحساس عليها، وهذا لا شك فيه، إلا أنه أمر مختلف عن التواضع على تسميتها، ولو وقع الحس على الشجرة مائة مرة لن يعرف العقل أن اسمها شجرة لأن الأسماء لا تُعرف من المسميات وإنما تُتلقى تلقياً أو تبتدع بالوضع. ولذلك فإن التسمية للشيء لا بد أن تكون تواضعاً عليه بين مجموعة من الناس، وهذه ببساطة شديدة هي اللغة، فاللغة هي ألفاظ تدل على معاني متفق عليها في الأذهان، فلو اتفق مجموعة من الناس على تسمية الماء بالسيف مثلاً، فإن هذا الاتفاق لا يجعل من الماء سيفاً ولا يجعل من السيف ماء، وإنما هو مجرد تواضع على تسميته ليعرفوه، ولذلك فإن العقل لا يستطيع أن يعرف معنى كلمة من تلقاء نفسه إلا أن تكون عنده معلومات سابقة تعلمه المعنى وارتباطه بالكلمة، أرأيت لو أنك قرأت كلمة تركية وهي (طاووق) مثلاً، فإنك لن تستطيع أن تعرف معناها من تلقاء نفسك مهما فكرت وفكرت ولو عرضتها على عقلك مئات المرات، لأن عقلك لن يسعفك في هذه لأنها ليست وظيفته أصلاً ولا يملك القدرة عليها ولا يستطيع القيام بها، ولو أنك قلت مثلاً: طاووق معناها مصباح فإنك لم تأت بجديد بل أتيت بما يدمر اللغة التركية وذلك بإضافة معنى لكلمة ليس لها أصلاً، ولذلك سيرد عليك الجميع بصوت واحد: من قال لك هذا؟ طاووق بالتركية هي الدجاجة. والذي تواضع على إعطاء الدجاجة هذا الاسم هم الأتراك كما تواضع العرب على إعطائها اسم دجاجة، والإنكليز اسم تشيكن، وهكذا، فالعقول مهما اختلفت لغاتها تعرف الدجاجة وتحكم بوجودها ومعناها واحد عند الجميع وهو الطير الداجن الذي وصفه كذا وكذا، فهو كمسمى أو كمعنى لا يختلف عليه البشر في سائر أنحاء المعمورة، ولكنهم اختلفوا في تسميتها لأنهم تواضعوا على هذه التسمية واتفقوا عليها.

ولذلك حرص علماء اللغة على أخذ معاني الكلمات من كلام العرب وأشعارهم فكانت تلك الشواهد اللغوية التي عوملت كما عوملت النصوص الشرعية في الرواية والسند.

ولننظر في هذا المثال الرائع الذي يبين لنا أهمية كلام العرب الأقحاح في معرفة معاني الكلمات، وأي كلمات؟ كلمات القرآن الكريم، فصاروا -أولئك- هم المرجع الأول في معرفة معاني الكلمات وفيهم من لم ير الإسلام أصلاً:

(قال تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 47] قال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر فقال: يا أيها الناس، ما تقولون في قول الله: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} ما تقولون فيها؟ فسكتوا. فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا؛ التخوف: التنقص، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته:

تَخَوَّفَ السيرُ مِنْهَا تامِكاً قَرِداً ،،،، كَمَا تَخَوّفَ عُود النُبْعَةِ السَّفَنُ

فقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم) [أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي، للبيضاوي ص 228، دار إحياء التراث، والكشف والبيان عن تفسير القرآن للثعلبي 6/19 ، دار إحياء التراث العربي] والتامِك هو سنام الناقة وقيل هو السنام المكتنز وقرد أي متراكم أو متجمع، أما عود النبعة فالنبعة هي نوع من الشجر تصنع منه السفن، والسفن هو الحديدة التي يقشر بها الخشب، أو ما يعرف اليوم بالمِبْرَد وهو في اللغة كذلك قال ابن المنظور في اللسان: (بَرَدْتُ الخَشَبة بالمِبْرَد أَبْرُدُها بَرْداً إِذا نحتها) ، ومعنى البيت أن السير الذي تسيره الناقة يأخذ ويُنقص من سنامها، كما يقوم السفن أو المبرد وهو الآلة الحديدية التي تقشر الخشب بقشر عود الشجر فينقص العود بما أخذه منه. وانظر إلى جمال البيت وقوة التصوير فيه: أن حركة السير البطيئة التي تمارسها الناقة تنقص من سنامها شيئاً فشيئاً، وهي بالذات صورة حركة المِبرد وهو ينقص من الخشبة وهو يتحرك عليها ذهاباً وإياباً.

ونكمل غداً إن شاء الله تعالى

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.