خطورة الانحراف

عدم معرفة معنى الكلمة، والخلط بين معناها ومعنى غيرها، وعدم نطقها بالشكل الصحيح كل هذه مدمرات لأصحابها ولمن يتلقون منهم.

ومن المضحك أننا لجهلنا باللغة وبقراءة القرآن كنا نظن ونحن أطفال أن اسم الأخ الأصغر لسيدنا يوسف عليه السلام (شقيقه) هو (نكتل) فعندما كنت أقرأ قوله تعالى: {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 63] وكنت أقول لنفسي أن اسمه نكتل، ولجهلي بالعربية لم أعرف أنه لو كان هذا اسمه فعلاً لجاءت نكتلاً وليس نكتل وهو فعل مجزوم من اكتال يكتال، ونحن نكتال فلما جزم الفعل صار نكتل. وأصل الفعل نكتال: نكتيل، ولكن تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ثم لما جزم الفعل سقطت، فصار وزن الفعل نكتل هو نفتل، وليس نفعل كما يظن الكثيرون.

وعلى سبيل المثال فقد تداول الناس عن طريق الواتساب وغيره كلاماً نُسب إلى أحد الدكاترة يقول فيه أن سيدنا يونس لم يكن في بطن الحوت وإنما كان في فمه أي ظل في فم الحوت وليس في بطنه، مستدلاً على ذلك بكلمة فالتقمه في قوله تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142] بأن سيدنا يونس بقي في فم الحوت كاللقمة فلم يبلعه الحوت لأنه لقمة. فهو قد أعطى لكلمة التقم معنى، وبنى عليه فخرج باستنتاج حرف التفسير إلى غير مجراه الطبيعي، ولو أنه أكمل آيات سورة الصافات لوجد قوله تعالى بعد الآية التي استدل بها: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143-144] فهو ينفي أنه كان في بطن الحوت لينتصر للمعنى الذي ابتدعه، والله يقول أنه في بطن الحوت، فمن نصدق؟

وصورة مضحكة أخرى تدل على جهل المتكلم مهما كان عنده من شهادات وتدل على جهل المستمعين، هذا إن أحسنا الظن، وإلا فإن سوء الظن من حسن الفطن:

في معرض نسفه للسنة والاستهزاء بها زعم أحد منكري السنة أنه ورد في السنة النبوية أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم كان يصلي واضعاً عنْزة (الحيوان المعروف) أمامه، وهو يريد بذلك أن يوهم الناس بأن في البخاري ما يشير إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي لحيوان معروف وكأنه يعبده.

وللاستفادة من هذه الصورة نقول إن كلمة عَنْزَة بسكون النون هي الحيوان المعروف، أما عَنَزَة بفتح النون فهي خشبة أو عصا وهي أقصر من الرمح وأطول من العصا، كان النبي يغرسها أمامه كسترة ويصلي إليها كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهَاجِرَةِ إِلَى البَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ» وكذلك ما قال أنس رضي الله عنه: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلاَمٌ وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَةٌ، وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ) وعنَزَة كذلك هي القبيلة المشهورة.

وقد وقع في هذا الخطأ أحد أفراد هذه القبيلة المشهورة وهو أبو موسَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيَّ إذ قال: (نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ، قَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إِلَى عَنَزَةٍ» فيما رواه الخطيب البغدادي ويعلق الخطيب قائلاً: تَوَهَّمَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى قَبِيلَتِهِمْ، وَإِنَّمَا الْعَنَزَةُ الَّتِي صَلَّى إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ حَرْبَةٌ كَانَتْ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتُنْصَبُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) [الجامع لأخلاق الراوي وآداب المستمع للخطيب البغدادي 1/295 ، مكتبة المعارف]

كما أورد الخطيب ما هو مضحك أيضاً عن أحد المغفلين كما قال فيما رواه الدار قطني عن أبي العيناء قال: (حضرت مجلس بعض المحدثين المغفَّلين فأسند حديثاً فقال: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عن رجل. فقلت: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله عزّ وجل؟ فإذا هو قد صحّفه وإذا هو: عزّ وجلّ) ذكرني هذا بجهلنا عندما كنا أطفالاً، كنت أقرأ (من عبد الله عمر بن الخطاب) فأسأل متعجباً: هل اسمه عمر أم عبد الله؟ ولم يكن العيب في الجهل، ولكنه في عدم التعلم.

وكم ضحكنا على أنفسنا بعد أن علمنا، ذلك أننا عندما كنا صغاراً نتسربل بالجهل وقلة العلم، قد قرأنا حديث: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ» [رواه مسلم] فكنا نقول: سبحان الله، هؤلاء الضالون أجسامهم مثل جسم سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، سبحان الله: كلهم على شكل سيدنا أنس بن مالك، كيف يكون هذا؟ وكل ذلك لأننا لم نحسن قراءة كلمة إنس بالشكل الصحيح، أو كذلك التلميذ عندما كانوا يدرسون قصيدة بانت سعاد لكعب بن زهير رضي الله عنه، فقد قال له المدرس اقرأ القصيدة، فوقف وقال: بانت سعاد فقلبي اليوم (مُتَبَوِّلُ) أجل الله أسماعكم، بدل أن يقول (مَتْبولُ) هذا عندما كان التلاميذ يدرسون ما يفيدهم، لا كما هو اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فلا يكفي أن تبحث عن معنى الكلمة إلا بعد أن تعرف كيف ننطقها، وهذا يتم تلقيه بالسماع ليس غير، وليس للعقول دور في ابتداعه.

وعليه فكل كلمة في أي لغة كانت؛ لا يعرف معناها بمجرد قراءتها أو سماعها وإنما يعرف معناها من أهل هذه اللغة الذين تواضعوا واتفقوا على استخدام هذا اللفظ ليدل على هذا المعنى، وعلى العقل لكي يعرف معنى الكلمة أن يأخذه ممن تواضعوا عليه لا أن يأتي به من نفسه، إلا أن يكون الواقع جديداً ولم يتم التواضع عليه لعدم وجوده، فإن أهل اللغة يتواضعون لمعنى له، وذلك كما يحصل في المكتشفات التي لم تكن من قبل كالطماطم والكومبيوتر والقطار وغيرها.

ونلخص ما سبق فنقول إن العقول لا تستطيع أن تعرف معنى كلمة عند أهلها إلا بمعرفة هذا المعنى من أهلها فقط وليس من غيرهم، ولو تجاوزت العقول فوضعت معنى لكلمة متواضعاً عليها يخالف ما تواضع عليه أهلها فإنهم يكونون قد حرفوا معنى الكلمة، ولو فعلوا ذلك في كلمات كتاب الله تعالى فإنهم يكونون محرفين لكتاب الله تعالى.

ولذلك نجد علماء اللغة والتفسير والفقه على علو أقدارهم ورسوخ أقدامهم وغزارة بحور علمهم، لم يتجرؤوا على كلمات القرآن الكريم ليعطوها معاني تختلف عن المعاني التي توافق عليها العرب الذين نزل القرآن الكريم بلغتهم، بل تجد عالم اللغة القدير تلميذاً عند أعرابي أو أعرابية يتعلم منهما معاني الكلمات لأنه يدرك أنه لا يملك أن يعطي معاني من عنده بل يأخذها من أهلها.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (تَعَلَّمُوا اللَّحْنَ وَالْفَرَائِضَ وَالسُّنَّةَ كَمَا تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ) [ابن أبي شيبة] وفي المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي (عن أبي العالية قال: (كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ ابنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُعَلِّمُنِي اللَّحنَ مِنَ الكَلَامِ) وإنّما سمِّي لَحنًا لأنّه إذا بَصَّرَهُ فقد عَرَّفَه) .

وعن يَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ قَالَ: (قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ الرَّجُلُ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ يَلْتَمِسُ بِذَلِكَ حُسْنَ الْمِنْطِقِ، وَيُقِيمُ بِهَا قِرَاءَتَهُ قَالَ: حَسَنٌ يتَعَلُّمُهَا، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقْرَأُ الْآيَةَ فَيَعْيَى بِوَجْهِهَا فَيَهْلَكُ بِهَا) [البيهقي في شعب الإيمان]

ولننظر في هذا المثال لندرك أهمية معرفة الكلمة ومعناها وأثر ذلك على الأحكام:

(عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» رواه البخاري وغيره، ورواه عبد الرزاق وأحمد بلفظ: «وما فاتكم فاقضوا» وهذا الاختلاف اليسير بين الروايتين في كلمة واحدة «فأتموا» و «فاقضوا» ترتب عليه اختلاف ذو أهمية من الناحية الفقهية، بيانه: أن المصلي المسبوق إذا أدرك صلاة الركعة الرابعة مع الإمام، فكيف يصلي الركعات الثلاث التي لم يدركها؟

فعلى مقتضى الرواية الأولى «فأتموا» يعتبر المصلي الركعة التي أدركها مع الإمام ركعة أولى بالنسبة إليه، وإن كانت ركعة رابعة بالنسبة إلى إمامه، فإن سلم الإمام قام وأتى بركعة ثانية لأنه قام (يتم) صلاته فيقرأ فيها الفاتحة وسورة، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح، فيقرأ فيها ما يقرأه في الركعة الثانية لو كان منفرداً، وهذا مذهب جماعة من العلماء منهم الإمام الشافعي رضي الله عنه.

وعلى مقتضى الرواية الثانية «فاقضوا» يعتبر المصلي الركعة التي أدركها مع الإمام ركعة رابعة بالنسبة إليه وإلى إمامه، فإذا سلم الإمام قام وأتى بركعة يعتبرها الركعة الأولى، لأنه قام (يقضي) ما فاته، فيقرأ فيها الاستفتاح والفاتحة وسورة، كما يقرأ في الركعة الأولى لو كان منفرداً، وهذا مذهب جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، وهذا عمل بمقتضى الروايتين: قضاء من حيث القراءة، إتمام من حيث القعود) [من الكتاب القيّم: أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء رضي الله عنهم، للشيخ محمد عوامة، ص 32-33 ، دار السلام للطباعة]

ومن الطبيعي أن يظهر الانحراف في الاستدلال وبالتالي في إعطاء الأحكام، إذا كان الذين يتعاطون هذا كله جهلة في اللغة وفي الجمع بين النصوص والنظر في الأدلة، وهذا ما نراه يومياً في الإعلام.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.