فواتح السور (2)

عندما نقرأ فواتح السور فإننا نقرؤها كأحرف مباني هجائية لا ككلمات ويكون نطقها سماعياً كما وردنا بالسند المتواتر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام إلى رب العزة جل وعلا.

فنطقها يكون كحروف هجاء وليس ككلمات مكونة من حروف، فمثلاً عندما تقرأ (الم) تقرأها (ألف لام ميم) ، وعندما تقرأ سورة الشرح تقرأ (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، ولا تقول: ألف لام ميم نشرح لك صدرك) مع أن الكتابة واحدة ولكن تلك وردت كحرف هجاء فتنطق كحرف هجاء وهذه وردت ككلمة فتنطق ككلمة فالعبرة بالسماع.

ولذلك فإن (الم) ليست حرفاً كإلى وعن وعلى، بل هي ثلاثة حروف من حروف الهجاء، عن عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لاَ أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» [الترمذي] وعَنْ عَوْفٍ بنْ مَالِكٍ الْأَشجَعِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ كَتَبَ اللهُ لَهُ حَسَنَةً لَا أَقُولُ: بِسْمِ، وَلَكِنْ بَاءٌ وَسِينٌ وَمِيمٌ، وَلَا أَقُولُ: {الم} وَلَكِنِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ» [البيهقي]

وما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحرف المعروف أيامهم وهو الحرف الهجائي ولا علاقة للحديث بالحرف النحوي الاصطلاحي الذي عرفناه في الكلمة السابقة، (وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وذكر الحديث- فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِما نَحْنُ فِيهِ قَطْعًا؛ فَإنَّ إطْلاقَ الحَرْفِ عَلى ما يُقابِلُ الِاسْمَ والفِعْلَ عُرْفٌ جَدِيدٌ؛ اخْتَرَعَهُ أئِمَّةُ الصِّناعَةِ؛ وإنَّما الحَرْفُ عِنْدَ الأوائِلِ ما يَتَرَكَّبُ مِنهُ الكَلِمُ؛ مِنَ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ؛ ورُبَّما يُطْلَقُ عَلى الكَلِمَةِ أيْضًا تَجَوُّزًا؛ فَأُرِيدَ بِالحَدِيثِ الشَّرِيفِ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ؛ وزِيادَةُ تَعْيِينِ إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الحَسَنَةَ المَوْعُودَةَ لَيْسَتْ بِعَدَدِ الكَلِماتِ القرآنيَّةِ؛ بَلْ بِعَدَدِ حُرُوفِها المَكْتُوبَةِ في المَصاحِفِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ ذِكْرُ كِتابِ اللَّهِ) [إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم المعروف بتفسير أبي السعود، لأبي السعود العمادي 1/34 ، مكتبة الرياض الحديثة]

وقد خاطب الله تعالى العرب بهذه الحروف الواضحة، وبالطريقة السماعية في النطق كما كان يتلوها عليهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الحروف التي يعرفونها ويعرفون أنها أول ما يبتدؤون به تعليم أطفالهم اللغة وكيفية نطق حروفها، فضلاً عن أن السور التي وردت فيها هذه الفواتح تضمنت إشارات صريحة للقرآن الكريم.

أما عن معاني هذه الحروف، فأنقل لكم بعض ما ذكره علماؤنا الكرام:

يقول ابن الزبير الغرناطي: (أقول وأسأل الله توفيقه أن القول الوارد عنهم في هذه الحروف المقطعة الواردة في أوائل السور على كثرته وانتشاره منحصر في طرفين:

أحدهما: القول بأنها مما ينبغي أن لا يتكلم فيه ويؤمن بها كما جاءت من غير تأويل.

والثاني: القول بتأويلها على مقتضى اللسان وهذا مسلك الجمهور، وهذا الذي نعتقد أنه الحق لأن العرب تحديت بالقرآن وطلبت بمعارضته أو التسليم والانقياد، وبمعرفتهم أنه بلسانهم ومعروف تخاطبهم وعجزهم مع ذلك عنه قامت الحجة عليهم وعلى كافة الخلق، وإذا سلم هذا فكيف يرد في شيء منه خطابهم بما لا طريق لهم إلى فهمه؟ فلو كان هذا لتعلقوا به ووجدوا السبيل إلى التعلل في العجز عنه وهذا مبسوط في كتب الناس وغير خاف) [ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، لابن الزبير الغرناطي، 1/177، دار الغرب الإسلامي]

أما ابن أبي زمنين فيقول: (كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: مَا أَدْرِي مَا تَفْسِيرُ {الم} و {الر} و {المص} وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، غير أَن قوماً مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: أَسْمَاءُ السُّوَرِ وَفَوَاتِحُهَا.

قَالَ مُحَمَّدٌ: وَذكر ابْن سَلام فِي تَفْسِير {الم} وَغير ذَلِكَ من حُرُوف المعجم الَّتِي فِي أَوَائِل السُّور – تفاسير غير متفقة فِي مَعَانِيهَا وَهَذَا الَّذِي ذكره يحيى عَنِ الْحَسَن، وَالله أعلم وَقد سَمِعْتُ بَعْض من أقتدي بِهِ من مَشَايِخنَا يَقُولُ: إِن الْإِمْسَاك عَنْ تَفْسِيرهَا أفضل) [تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمَنين، 1/120، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر] .

ويقول ابن عطية: (اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين:

قال الشعبي عامر بن شراحيل وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سرّ الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن يؤمن بها وتُمرّ كما جاءت.

وقال الجمهور من العلماء: بل يجب أن يُتكلم فيها وتُلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها)

ويقول: (وقالَ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لِلْعَرَبِ: إنَّما تَحَدَّيْتُكم بِنَظْمٍ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الَّتِي عَرَفْتُمْ، فَقَوْلُهُ: (الم) بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: (أ- ب- ت- ث) لِتَدُلَّ بِها عَلى التِسْعَةِ والعِشْرِينَ حَرْفًا) [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي، 1/82 ، دار الكتب العلمية]

وجاء في التحرير والتنوير:

(وكَيْفَ يَزْعُمُ زاعِمٌ أنَّها وارِدَةٌ في مَعانٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ مَعَ ثُبُوتِ تَلَقِّي السّامِعِينَ لَها بِالتَّسْلِيمِ مِن مُؤْمِنٍ ومُعانِدٍ، ولَوْلا أنَّهم فَهِمُوا مِنها مَعْنًى مَعْرُوفًا دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرائِنُ لَسَألَ السّائِلُونَ وتَوَرَّكَ المُعانِدُونَ. قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ ”لَوْلا أنَّ العَرَبَ كانُوا يَعْرِفُونَ لَها مَدْلُولًا مُتَداوَلًا بَيْنَهم لَكانُوا أوَّلَ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بَلْ تَلا عَلَيْهِمْ حم فُصِّلَتْ و“ ص ”وغَيْرَهُما فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ مَعَ تَشَوُّفِهِمْ إلى عَثْرَةٍ وحِرْصِهِمْ عَلى زَلَّةٍ“ قُلْتُ وقَدْ سَألُوا عَنْ أوْضَحَ مِن هَذا فَقالُوا وما الرَّحْمان)

وفيه (القَوْلُ الرّابِعَ عَشَرَ أنَّها سِيقَتْ مَساقَ التَّهَجِّي مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ في التَّهْجِيَةِ تَبْكِيتًا لِلْمُشْرِكِينَ وإيقاظًا لِنَظَرِهِمْ في أنَّ هَذا الكِتابَ المَتْلُوَّ عَلَيْهِمْ وقَدْ تُحُدُّوا بِالإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ هو كَلامٌ مُؤَلَّفٌ مِن عَيْنِ حُرُوفِ كَلامِهِمْ كَأنَّهُ يُغْرِيهِمْ بِمُحاوَلَةِ المُعارَضَةِ ويَسْتَأْنِسُ لِأنْفُسِهِمْ بِالشُّرُوعِ في ذَلِكَ بِتَهَجِّي الحُرُوفِ ومُعالَجَةِ النُّطْقِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِمُعامَلَتِهِمْ مُعامَلَةَ مَن لَمْ يَعْرِفْ تَقاطِيعَ اللُّغَةِ. فَيُلَقِّنُها كَتَهَجِّي الصِّبْيانِ في أوَّلِ تَعَلُّمِهِمْ بِالكِتابِ حَتّى يَكُونَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ بَعْدَ هَذِهِ المُحاوَلَةِ عَجْزًا لا مَعْذِرَةَ لَهم فِيهِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ المُبَرِّدُ وقُطْرُبُ والفَرّاءُ، قالَ في الكَشّافِ وهَذا القَوْلُ مِنَ القُوَّةِ والخَلاقَةِ بِالقَبُولِ بِمَنزِلَةٍ، وقُلْتُ وهو الَّذِي نَخْتارُهُ وتَظْهَرُ المُناسَبَةُ لِوُقُوعِها في فَواتِحِ السُّوَرِ أنَّ كُلَّ سُورَةٍ مَقْصُودَةٍ بِالإعْجازِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ فَناسَبَ افْتِتاحُ ما بِهِ الإعْجازُ بِالتَّمْهِيدِ لِمُحاوَلَتِهِ ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ التَّهَجِّيَ ظاهِرٌ في هَذا المَقْصِدِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْألُوا عَنْهُ لِظُهُورِ أمْرِهِ وأنَّ التَّهَجِّيَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم لِلتَّعْلِيمِ فَإذا ذَكَرْتَ حُرُوفَ الهِجاءِ عَلى تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ المَعْهُودَةِ في التَّعْلِيمِ في مَقامٍ غَيْرِ صالِحٍ لِلتَّعْلِيمِ عَرَفَ السّامِعُونَ أنَّهم عُومِلُوا مُعامَلَةَ المُتَعَلِّمِ لِأنَّ حالَهم كَحالِهِ في العَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِكَلامٍ بَلِيغٍ، ويُعَضِّدُ هَذا الوَجْهَ تَعْقِيبُ هاتِهِ الحُرُوفِ في غالِبِ المَواقِعِ بِذِكْرِ القُرْآنِ وتَنْزِيلِهِ أوْ كِتابَتِهِ إلّا في {كهيعص} [مريم] و {الم} [العنكبوت] و {الم} [الروم] ووَجْهُ تَخْصِيصِ بَعْضِ تِلْكَ الحُرُوفِ بِالتَّهَجِّي دُونَ بَعْضٍ، وتَكْرِيرِ بَعْضِها لِأمْرٍ لا نَعْلَمُهُ ولَعَلَّهُ لِمُراعاةِ فَصاحَةِ الكَلامِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ مُعْظَمَ مَواقِعِ هَذِهِ الحُرُوفِ في أوائِلِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ عَدا البَقَرَةَ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلُوها كُلَّها مَدَنِيَّةً وآلَ عِمْرانَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّهُما نَزَلَتا بِقُرْبِ عَهْدِ الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ وأنَّ قَصْدَ التَّحَدِّي في القُرْآنِ النّازِلِ بِمَكَّةَ قَصْدٌ أوْلى، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا الحُرُوفُ الَّتِي أسْماؤُها مَخْتُومَةٌ بِألِفٍ مَمْدُودَةٍ مِثْلَ الياءِ والهاءِ والرّاءِ والطّاءِ والحاءِ قُرِئَتْ فَواتِحُ السُّوَرِ مَقْصُودَةً عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها لِلصِّبْيانِ في الكتّابِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا في آخِرِ هَذا المَبْحَثِ مِن تَفْسِيرِ الم) [التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، 1/212-213 ، الدار التونسية للنشر] .

وختاماً:

لقد نزل هذا القرآن بلسان العرب وفي العرب؛ أهل اللغة وأربابها وصناعها، ولم يكن لأي كلام أو حديث أو شعر أن يطوف عليهم بعجمة أو كسر أو لحن أو نشاز، لأنهم سيصطادون الخطأ فيه كالصقور الجارحة التي تنتظر طيراً يطير في السماء لتنقض عليه، هؤلاء هم العرب، ولذلك فإن أي تساهل في هذا وأي زعم بأن في القرآن طلاسم وألغاز وأحجيات هو قصور في فهم طبيعة هذا القرآن العظيم، واستهانة بالعرب وحط من أقدارهم.

لقد خاطبهم الله تعالى بما يعرفون فقال لهم: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ] [الحاقة: 41-42] وهم يقرون بذلك ولا ينكرونه، ولذلك بحثوا عن المبررات لرفضه واتهامه، فزعموا أنه من شخص أعجمي يتعلمه منه الرسول عليه الصلاة والسلام: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] وزعموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذه من أساطير الأولين: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: 4-6] ، واتهموه بالسحر:

وقصة الوليد بن المغيرة مشهورة فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا عَمُّ، إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لَمَ؟ قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتُعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا. قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ أَوْ أَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ؟ فَوَاللَّهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِرَجَزٍ وَلَا بِقَصِيدَةٍ مِنِّي وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ. قَالَ -أبو جهل- : لَا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ، فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يَأْثُرُهُ مِنْ غَيْرِهِ. فَنَزَلَتْ {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر: 11] ) [رواه الحاكم على شرط البخاري]

قال عز وجل: {ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 23-25] وقال عز من قائل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [سبأ: من 43]

وقال سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 30]

ولو نجحت محاولتهم باتهامه بالسحر لكانت هذه الحروف المقطعة أكبر دليل عليها، وما السحر إلا طلاسم وحروف وأحجيات، ولكنهم لم يفعلوا لأنهم فهموها وتلقوها ولم يعترضوا عليها، فهي حروف الهجاء التي يعلمونها صبيانهم في أول تلقيهم للغة، وينطقونها كما نطقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألف، لام، ميم، كاف، عين، صاد، نون.

وهي الحروف التي نزلت في أوائل السور التي تكلمت عن هذا القرآن ولفتت الأنظار له.

أما ترتيب هذه الحروف واختياراتها وفق السور المعينة، فهذا ما ليس للعقل فيه مجال ولا قدرة، وأمره عند الله جل وعلا.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.