النفاق: البذرة والأرض

نستطيع أن نذهب بالرأي إلى أن العرب لم يعرفوا النفاق، وكانت عفويتهم الطبيعية هي التي تحكم تصرفاتهم، مع الأخذ بالاعتبار أنهم لم يكونوا أصحاب ثقافات ونظريات لاهوتية أو غيرها، بل كانوا بسطاء في اعتقاداتهم، ولم يكونوا يملكون من الفلسفات ما يجعلهم أهلاً للمجادلة والنقاش والمناظرة، ولم يكن لعبادتهم الأصنام أي بُعد فلسفي، بل كانت عبادة ساذجة لا عمق فيها ولا تبحّر، مجرد أصنام يعبدونها مع إقرارهم بوجود الخالق؛ قال تعالى: {أَلَا لله الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ الله لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] وكانوا يقولون في التلبية كما أخبرنا سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك) [مسلم وغيره]

ومنهم من يقر بالبعث والحساب، والقصائد شواهد فهذا عنترة العبسي يقول:

يا عَبلُ أينَ من المَنيَّة ِ مَهْربي ،،،، إن كانَ ربي في السَّماءِ قَضاها

وهذا زهير بن أبي سلمى يقول:

فَلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فيِ صُدُورِكُمْ ،،،، لَيخْفَى، وَمَهْمَا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلمِ

يُؤَخّرْ فَيُوضَعْ فيِ كِتَاب فَيُدَّخَرْ ،،،، لِيَوْمِ الحِسَابِ، أو يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ

ومنهم من لا يقر به؛ قال تعالى: {وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: 29]

ولذلك لم تر عندهم أية ردود فلسفية أو منطقية تنم عن ثقافة عميقة في اللاهوت والأديان، يبدو كل ذلك واضحاً في طريقة مواجهتهم الرسالة الجديدة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بذلك يختلفون كل الاختلاف عن اليهود والنصارى الذين هم بالأصل أهل كتاب ورسالة كما سيأتي.

الأمر الثاني أن مكة المكرمة والمرحلة المكية فيها لم تكن لتشكل أرضاً خصبة لبذور النفاق، لأنه لم تكن ثمة حاجة له، فالمسلمون كانوا هم المستضعفين، وكانت القوة والغلبة للمشركين، ولم يكن ثمة مطمع، بل كانت المرحلة كلها أذى في أذى، عذاب وصد ونفور وقطيعة، وما حصل في شعب أبي طالب خير دليل على ذلك كله أضف إليه صنوف العذاب التي تلقاها الجميع ما يطول بنا المقام لتفصيلاته.

ولذا فإن فكرة النفاق لم تكن موجودة، ولو كانت فالحاجة لها غير ذات قيمة، فكان المشركون يظهرون كفرهم ويتقوون به على المسلمين، ولم يكن واحد منهم -المشركين- بحاجة لأن يؤمن ويظهر الكفر.

وكل هذا بخلاف المدينة المنورة والمرحلة المدنية، إذ تغير الحال كما أسلفنا في الكلمات السابقة، فتحول الضعفاء إلى أقوياء، والمُعَذّبون إلى مقاتلين والعزّل إلى مسلحين، والرسول صلى الله عليه وسلم إلى حاكم في المدينة وقائد عسكري، فوُجدت السلطة تحميها القوة، وصار إظهار الإسلام هو الأصل، فاستنطقت الأحكامُ ما في النفوس من تطلع إلى سيادة المبدأ والتضحية في سبيله، وأظهرت معادن المهاجرين والأنصار، وبات المشركون في حيرة من أمرهم؛ هل يؤمنون ويظهرون إسلامهم؟ أم يكفرون ويظهرون كفرهم؟ أم يكفرون ويظهرون إسلامهم؟

هذا التغير الواضح لا يدع مجالاً للشك بأن ظاهرة النفاق نشأت في المدينة، ومن أهم أسباب نشأتها تحول الصراع بين الإسلام والكفر إلى صراع مادي مع بقاء الصراع الفكري طبعاً لأنه هو الأصل ولا ينتهي دوره ما دام في الأرض حياة، وتحول رسالة الإسلام من دعوة لتوحيد الله تعالى وعبادته بالنهج المكي، إلى رسالة منهجية بدأت تنسج بأحكامها المجتمع بكل مكوناته: عقيدة وأحكاماً، علاقات ورعايا، معاهدات ومواثيق، وتشريعات تنزل تباعاً تعالج كل واقعة وتعطي الإجابة لكل مسألة.

ولا يخفى أن قدوم النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وتسلمه السلطة فيها قد أثار حفيظة الكثيرين ممن لم يقبلوا بهذا الواقع الجديد، خاصة وأن النبي الكريم ليس من أهل المدينة فهو يعد في نظرهم غريباً عنهم، وقد هالهم لما رأوا السعدين زعيماً الأوس والخزرج؛ وهما يستقبلان الرسول الكريم في مقدمه للمدينة وقد تدرعا وكل منهما يحمل سلاحه، هذا عن اليمين وهذا عن الشمال، وهذا المنظر يُسعد من ينتظر قدوم الرسول عليه وعلى آله الصلاة والسلام بشوق وحرارة، ويغيظ من يتوجس خيفة من قدومه صلى الله عليه وسلم، وهو يضع يده على قلبه منتظراً الأحداث ليقرر قراره، وقد أحكم أمره وأقر من البداية ألا يدخل في هذا الدين الجديد.

عن عبد المجيد بن أبي عبس عن أبيه عن جده قال: (لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم خفي على قريش خبره، فبينا قريش في أنديتها حول البيت إذ سمعوا صوتاً من أبي قبيس يقول:

إِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ ،،،، بِمَكَّةَ لا يَخْشَى خِلافَ الْمُخَالِفِ

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَأَشْرَافُ قُرَيْشٍ: أي السعود: سَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ، وَسَعْدُ هُذَيْمٍ مِنْ قُضَاعَةَ. فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ سَمِعُوا صَوْتَهُ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَهُوَ يَقُولُ:

يَا سَعْدُ سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا ،،،، وَيَا سَعْدُ سَعْدَ الْخَزْرَجِيِّ الْغَطَارِفِ

أَجِيبَا إِلَى دَاعِيَ الْهُدَى وَتَمَنَّيَا ،،،، عَلَى اللهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ

فَإِنَّ ثَوَابَ اللهِ لِلطَّالِبِ الْهُدَى ،،،، جَنَّاتٌ مِنَ الْفِرْدَوْسِ ذَاتُ رَفَارِفِ

فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فعلمت قريش أن ناصري النبي صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة)

[المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر الدينوري 4/96 ، دار ابن حزم، وهواتف الجنان للخرائطي، 35-36 ، دار البشائر للطباعة والنشر، والغطارف والغطارفة: جمع غطريف وهو السيد الشريف الكريم كثير الخير]

ولا ننسى أن نشير إلى حرب بُعاث وهي الحرب التي قامت بين الأوس والخزرج قبيل الهجرة؛ وهي من تهيئة الله تعالى لقدوم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين إلى المدينة، ذلك أن ثمة نزاعات بين القبيلتين في المدينة، وحرب بعاث هذه جدد فيها اليهود من بني قريظة وبني النضير العهود مع الأوس ضد الخزرج فاشتعلت الحرب بين الفريقين، وكانت نهايتها حاصدة لكبرائهم.

أما الدليل على أنها كانت قبيل الهجرة فهو ما روي في أول عرض للرسول عليه الصلاة والسلام للإسلام على الأنصار أو أهل المدينة (فَقَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بَطْنٌ مِنَ الْأَوْسِ مَكَّةَ حَاجًّا وَمُعْتَمِرًا، وَكَانَ يُسَمَّى الْكَامِلَ لِجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ وَنَسَبِهِ، فَتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَسَنٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَهُ الْخَزْرَجُ، قُتِلَ يَوْمَ بُعَاثٍ، فَكَانَ قَوْمُهُ يَقُولُونَ: قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ) [الكامل في التاريخ لابن الأثير، وجامع المسانيد والسنن لابن كثير]

وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ، يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا، فَقَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإِسْلاَمِ» [البخاري وغيره]

وقال ابن كثير: (كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ، وَبُعَاثُ مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ، كَانَتْ فِيهِ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَشْرَافِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَكُبَرَائِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ شُيُوخِهِمْ إِلَّا الْقَلِيلُ) [البداية والنهاية لابن كثير 4/368 ، دار هجر]

وفي الكامل في التاريخ: (وَكَانَ يَوْمُ الْبُعَاثِ آخِرَ الْحُرُوبِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ) [الكامل في التاريخ لابن الأثير، 1/602، دار الكتاب العربي]

أما كيف نشأ النفاق في المدينة؟ فهذا ما سنتكلم عنه في الكلمة القادمة إن يسر الرحمن عز وجل.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.