النفاق: الدوافع والخطر

لم يكن المنافق إنساناً مبدئياً آمن وكتم إيمانه كي لا يخسره، أو عانى الأمرّين من أجل المحافظة عليه والتضحية من أجله، أو كتمه بسبب جبنه عن البوح بإيمانه أو لقوة الواقع وضغطه وشدته عليه، ولم يكن المنافق لينافق فقط من أجل حرصه على قناعات وأيدلوجية يعيش من أجلها.

كل هذا لا قيمة له، لأنهم مقتنعون بالحق ولكنهم لا يريدونه، ويعلمون أن رسول الإسلام جاءهم بالصدق ولكنهم لا يريدون اتباعه، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3] وقال عز وجل: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [التوبة: من 74] فالأمر عندهم ليس كالمؤمن الذي يكتم إيمانه، بل إنهم يعرفون الحق ولكنهم رفضوه وهذا أمر مهم لا بد من التركيز عليه، كي لا يظن ظانّ أن المسألة مسألة قناعات، بل هي أهواء وشهوات، ويا ليتها كانت قناعات، لأن صاحب القناعة يتنازل عنها بالحجة والبرهان، أما صاحب الهوى فلا ينصاع ولو رأى مائة برهان.

وها أنت تراهم اليوم يخرجون بأنواع شتى من الكفر والضلال والشبهات والأكاذيب، وترى الواحد فيهم وهو يتحدث وكأنه يدافع عن قناعة إيمانية راسخة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، مستغلاً شهاداته العلمية أو تاريخه الكفاحي أو ثقة الناس به أو شهرته، وهو يعلم أن واحداً ممن يستمعون إليه لن يبحث وراءه ولن يتحقق من كلامه ولن يراجع مصادره، ومنهم من تراه وقد تنازل عن قناعاته فجأة لأنه باع نفسه، وتحول إلى الوجه الآخر والقناعة المضادة.

ولأن النفاق لا يملك أن يبقى حبيساً كما هي صفات المنافقين، فإن هؤلاء لا يملكون أن يظهروا بالبراءة والطهارة والحرقة ما عاشوا، بل يفضحهم الله تعالى فترى الواحد منهم وقد تحول إلى حصالة للأموال تقبل كل مال قذر ليوضع فيها، فلا يتردد واحدهم أن يكون عارضاً أو مروجاً، أو معادياً للمؤمنين، وكل ذلك بسبب لباس الدين الذي لبسه ومسوح الإيمان التي ظهرت عليه، والقناعات الكاذبة التي كان يدافع عنها.

ولا ننسى الدموع الكاذبة التي تستجيب له كلما دعاها وكأنها تتجمع في زاوية عينيه تنتظر نداءه لتنهمر، وقد قالوا: دمع الفاجر حاضر، روى البيهقي في الشعب: (أن سفيان الثوري بكى يومًا ثم قال: بلغني أن العبد أو الرجل إذا كمل نفاقه ملك عينيه فبكى) ولابن المبارك في الزهد عن شعيب الجبائي قال: (إذا كمل فجور الإنسان يملك عينيه؛ فمتى شاء أن يبكي بكى)

وإنني إذ أطلت في الحديث عن المنافقين فما ذلك إلا لأنهم فئة لا تموت، تتوالد كما يتوالد الذباب، وعلى مر العصور، تراهم في كل وقت وفي كل زمان، أما والله إن في القلب لحرقة، وفي الحلق لغصة، وفي النفس ألم يعتصر على ما نراه يومياً من هذه المسوخ التي تسنمت ذرى الإعلام فتصدرت المحافل ودخلت البيوت وصارت توجه أبناء وبنات المسلمين كي يسلخوهم عن دينهم، ويصنعوا منهم مسوخاً موهومة ميتة لا قيمة لها في الحياة إلا المتع والواي فاي، وقتل الوقت بأية وسيلة ممكنة وكأن الوقت قد أضحى عدواً لهم وليس فرصة لا تعوض لاغتنام كل خير.

ولذلك فإن للنفاق دوافع وهي ذكراً لا حصراً -مع ملاحظة عدم قيمتها وقيمة ما تنتجه ما لم يكن صاحبها مسلماً في الظاهر- :

أولاً: عدم القدرة على إظهار الكفر والحقد والمقت للإسلام ورسول الإسلام وأهل الإسلام.

ثانياً: البقاء في المجتمع الإسلامي من أجل الإفساد {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]

ثالثاً: خلخلة صفوف المسلمين في وقت السلم {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83] {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60-61]

وفي وقت الحرب: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] {وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَالله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ 167 الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 167-168]

رابعاً: التآمر مع أعداء المسلمين وموالاتهم {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَالله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11] {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لله جَمِيعًا} [النساء: 138-139]

خامساً: تمييع الدين بالاستهزاء بالآيات والأحكام {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [التوبة: 64-66] {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} [البقرة: 14]

ناهيك عن دراسة أحوال المسلمين عن كثب والتقرب إليهم والدخول في صفوفهم والتجسس عليهم، ورحم الله أحد شيوخنا عندما كان يقول: لو قامت للإسلام دولة وعزة وخلافة لرأيتم المنافقين يصلون في الصف الأول.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.