النفاق: التحالف المشبوه

لا يوجد عندنا ما يؤكد ويقطع بأن فكرة النفاق يهودية أو نصرانية، ولكن سأطرح أمرين: الأول وجود فكرة الباطن والظاهر عند أهل الكتاب وبخاصة اليهود وورود النفاق بشكل خاص في العهدين القديم والجديد. والأمر الثاني التحالف الواضح بينهم وبين المنافقين، ناهيك عما ثبت بأن منهم من كان من المنافقين.

أما بالنسبة للأمر الأول فقد قلنا فيما سبق أن العرب لم يعرفوا فكرة النفاق وفلسفته، لأنها ليست من طبيعتهم وهي تتناقض ابتداء مع شيمهم وأخلاقهم الرفيعة التي اتصفوا بها، وقد يقول قائل: لم كل هذا التعقيد، إن فكرة النفاق هي أن تخفي أمراً وتظهر خلافه، وهي موجودة بشكل طبيعي عند البشر!

والإجابة على هذا التساؤل هي أن الموقف ليس موقف مجاملة من شخص لآخر كي يحافظ على شعوره مثلاً فلا يجرحه، ولا موقف رجل من زوجته التي لا يميل إليها ولكنه لا يظلمها ولا يشعرها بذلك كما قال الإمام الحسن البصري في الحديث المقطوع الذي رواه ابن أبي الدنيا: (قال رجل للحسن: إن عندي ابنة لي وقد خُطبت إليّ، فمن أزوجها؟ قال الحسن: زوجها من يخاف الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها) [العيال لابن أبي الدنيا، 1/273، دار ابن القيم] وكذلك ليس في مداراة رجل فاحش اللسان اتقاء لفحشه، كما جاء في الحديث الشريف: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ» [رواه البخاري وغيره] قال ابن بطال: (المدارة من أخلاق المؤمنين وهى خفض الجناح للناس، ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة وسل السخيمة) [شرح البخاري لابن بطال، 9/305، دار ابن رشد، والسخيمة هي الحقد والضغينة] وقال ابن حبان: (الْمُدَارَاةُ الَّتِي تَكُونُ صَدَقَةً لِلْمُدَارِي هِيَ تَخَلُّقُ الْإِنْسَانِ الْأَشْيَاءَ الْمُسْتَحْسَنَةَ مَعَ مَنْ يُدْفَعُ إِلَى عِشْرَتِهِ مَا لَمْ يَشُبْهَا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالْمُدَاهَنَةُ هِيَ اسْتِعْمَالُ الْمَرْءِ الْخِصَالَ الَّتِي تُسْتَحْسَنُ مِنْهُ فِي الْعِشْرَةِ وَقَدْ يَشُوبُهَا مَا يَكْرَهُ الله جل وعلا) [صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، 2/218، مؤسسة الرسالة، ونقل المحقق شعيب الأرناؤوط من كلام ابن بطال: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة، فغلط، لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق أن المداهنة من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه. والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا إلى تألفه] .

نعم إن الموقف ليس كذلك، وما كان النفاق كذلك، بل هو تآمر واجتماعات سرية وتخطيط وتنفيذ، هذا هو واقعه، وفكرة الإخفاء فيه ليست لما تقدم ولا علاقة لها به، بل هو إخفاء الكفر من أجل تنفيذ مخطط إجرامي في المجتمع، وهذا الإخفاء يعتمد في خطورته على استغلال حسن الظن عند الآخرين، وكسب ثقتهم بالانخراط في المجتمع، ثم الغدر كلما تحينت الفرص وظهرت مواضع الضعف، وقد قدمنا في الكلمة السابقة شيئاً من الدوافع والخطر.

أما فلسفة الظاهر والباطن فإنها فلسفة قديمة عند اليونانيين وقد أخذها عنهم اليهود ومن ثم النصارى، وفكرتها أن الباطن يخالف الظاهر، والباطن ما يعرف بين الخاصة والظاهر ما يعرف عند العامة وهذا ما تأصل عند النصارى على يد أوريجانس، وكأنها لغتان للتفاهم، والصحيح أنها فلسفة تأويلية للكتاب المقدس، إلا أن كونها تمثل باطناً مخصوصاً وظاهراً مشاعاً فإن هذا ليس أمراً طبيعياً، وهو أمر تجدر الإشارة إليه، لأن هذا التأويل الباطني هو الذي نقل فكرة الباطن والظاهر عند العرب ومن ثم المسلمين كما يذكر المهتمون.

وأنقل لكم بعض ما كتبه الباحثون في هذا الأمر:

(حينما صار شعر هوميروس نصاً ذا سلطة، أخذ المفكرون اليونانيون والأدباء في القرن الخامس قبل الميلاد في تأويله، وعلى رأسهم أنتسثانس الذي عني بالتأويل الرمزي، وقد سار في أثره زينون الرواقي، وتبعه خروسيفوس، ومن ثم انتقل التأويل الرمزي إلى اليهودية على يد فيلون اليهودي في القرن الأول الميلادي، الذي يعد من أكبر ممثلي النزعة إلى التأويل في العصر القديم، وإن كان قد سبقه في اليهودية كثيرون أولوا الكتب المقدسة في العهد القديم تأويلاً رمزياً، فإبراهام هو النور، وساره هي الفضيلة وهكذا، ولكن فيلون ذرّف عليهم بأن جعل من التأويل مذهباً قائماً برأسه ومنهجاً في الفهم، ورأى أن التأويل بالباطن هو روح النص المقدس، وأن التفسير بالمعنى الحرفي هو مجرد جسم هذا النص المقدس، ومن فيلون انتقلت طريقة التأويل الرمزي إلى المسيحية، ومن بين الآباء المسيحيين برز خصوصاً أوريجانس الذي تأثر بفيلون، فقد قال أن الكتاب المقدس يفسر على ثلاثة أوجه: الرجل البسيط يكفيه جسد الكتاب المقدس، والرجل المتقدم في الفهم يدرك روح هذا الكتاب، والكامل من الرجال هو الذي يفهمه بالناموس النفساني الذي يطلع على الغيب) [مذاهب الإسلاميين -بتصرف- د. عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين] وقد ذهب الدكتور محمد الخطيب إلى أن نشوء طائفة القبالية كان بسبب هذه الفلسفة الباطنية، (وهي نسبة إلى القبالة وهو كتاب فيه التأويل الخفي للتوراة، ومن أهم مسائله هي سرية التعليم وإمكان فك رموز التوراة، وكذلك رمزية الأعداد والحروف) [الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، ص 31، مكتبة الأقصى] ولمن أراد الاستزادة في فلسفة فيلون فعليه بـــ [تاريخ الفلسفة اليونانية، وولتر ستيس، دار الثقافة للنشر والتوزيع، تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف كرم، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها، د.أميرة حلمي مطر، دار قباء]

هذا عن فكرة الباطن، أما عن النفاق فقد ورد في إنجيل النصارى (يا مراؤون! حسنا تنبأ عنكم إشعياء قائلا: يقترب إلي هذا الشعب بفمه، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً، وباطلاً يعبدونني وهم يعلمون تعالم هي وصايا الناس) [إنجيل مرقس، الإصحاح السابع: مت: 1-20 ، مشروع الكنوز القبطية] كما أن كلمة منافق قد جاءت بالإنجليزية (Hypocrite) (فإن الله يبغض المنافق ونفاقه على السواء) [العهد القديم، سفر الحكمة: الإصحاح 14: 9] وفي سفر يشوع بن سيراخ في التوراة (اذا لعن المنافق الشيطان فقد لعن نفسه) [الإصحاح 21، مشروع الكنوز القبطية] فهم عرفوا النفاق الذي لم يعرفه العرب.

أما الأمر الثاني وهو التحالف الطبيعي بين المنافقين وأهل الكتاب، ففي قوله تعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَالله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11] وقوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لله جَمِيعًا} [النساء: 138-139] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} [المائدة: 51-53]  وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [المجادلة: 14] قال البغوي: (نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ تَوَلَّوُا الْيَهُودَ وَنَاصَحُوهُمْ وَنَقَلُوا أَسْرَارَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِمْ) .

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.