النفاق: مثلان وثلاث خلَوات

أما الآيات التي وردت في بداية سورة البقرة عن المنافقين، فيمكن الاستفادة منها على الوجه التالي:

بدأت الآيات بالإخبار عن وجودهم منتشرين بين الناس باستخدام (ومن) التي تفيد التبعيض، وتصفهم بأمرين: الأمر الظاهر الذي يراه كل من حولهم {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ} والأمر الباطن الذي يعلمه الله تعالى ومن يطلعه من عباده {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} ولو قيل بسؤال مقدر: لم يظهرون ويبطنون؟ فإن الجواب هو في الجملة المستأنفة: {يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} وواقع حالهم أنهم {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}

أما نفاقهم فعلى صورتين:

الأولى تتعلق بالسلوك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}

والثانية تتعلق بالإيمان والكفر: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ}

أما تحركاتهم في المجتمع فلها صورتان: صورة مع المؤمنين: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا} وصورة مع حلفائهم ممن هم على شاكلتهم: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (14) الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} .

أما الشهادة التي حصلوا عليها من الله تعالى بسبب نفاقهم فهي: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} وقد كتبتُ في الشراء والبيع في القرآن الكريم في كلمة سابقة أرجو لمن يريد الاستزادة أن يرجع إليها.

وقد ورد في الآيات مثلان لهم: مثل للباطن وهو الكفر ومثله النار، ومثل للظاهر وهو السلوك ومثله الماء.

المثل الأول: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 17-18] فهم لم يستوقدوا النار ولكن الذي استوقدها واحد لأن في العادة الذي يستوقد النار واحد وليس المجموعة كلها، والنار هي الإسلام، لأن الله قال {ذهب الله بنورهم} ولم يقل ذهب الله بنوره، أو ذهب الله بضوئها، فضوء النار باق لم يذهب، والضوء هو مصدر النور والنور هو أثر الضوء ولذلك قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: من 5] فالشمس مصدر الضوء والقمر أثره، فتلك ضوء وهذا نور، وهؤلاء بعد أن أضاء الإسلام ما حولهم وصارت حياتهم نوراً بعد أن كانت ظلاماً، تركوه وكفروا فذهب النور ولكن الضوء باق لم يذهب.

(نزلت هذه الآية في المنافقين. يقول: مثلهم في كفرهم ونفاقهم كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها فاستدفأ ورأى ما حوله فاتّقى ما يحذر ويخاف فأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلماً خائفاً متحيّراً، كذلك المنافقون إذا أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها واعتزّوا بعزّها وناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمّنوا على أموالهم وأولادهم، فإذا ماتوا عادوا الى الخوف والظلمة وهووا في العذاب والنقمة. وقال مجاهد: إضاءة النار: إقبالهم الى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم الى المشركين والضّلالة) [الكشف والبيان المعروف بتفسير الثعلبي، لأبي إسحق المعروف بالإمام الثعلبي، 1/160، دار إحياء التراث]

أما المثل الثاني: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ والله مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 19-20] فهو يمثل الحالة الثانية لهم وهي حالة السلوك، (أُعِيدَ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ وبِمُراعاةِ أوْصافٍ أُخْرى فَهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنافِقِينَ المُخْتَلِطَةِ بَيْنَ جَواذِبَ ودَوافِعَ – حِينَ يُجاذِبُ نُفُوسَهم جاذِبُ الخَيْرِ عِنْدَ سَماعِ مَواعِظِ القُرْآنِ وإرْشادِهِ، وجاذِبُ الشَّرِّ مِن أعْراقِ النُّفُوسِ والسُّخْرِيَةِ بِالمُسْلِمِينَ – بِحالِ صَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ اخْتَلَطَتْ فِيهِ غُيُوثٌ وأنْوارٌ ومُزْعِجاتٌ وأكْدارٌ، جاءَ عَلى طَرِيقَةِ بُلَغاءِ العَرَبِ في التَّفَنُّنِ في التَّشْبِيهِ وهم يَتَنافَسُونَ فِيهِ لاسِيَّما التَّمْثِيلِيُّ مِنهُ وهي طَرِيقَةٌ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الواصِفِ مِنَ التَّوْصِيفِ والتَّوَسُّعِ فِيهِ) [التحرير والتنوير لابن عاشور، 1/315، الدار التونسية للنشر]

واعتبر ابن كثير هذا المثل من جنس المثل الأول مع بعض الاختلاف، فقد قال: (وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ قَوْمٌ يَظْهَرُ لَهُمُ الْحَقُّ تَارَةً، وَيَشُكُّونَ تَارَةً أُخْرَى، فَقُلُوبُهُمْ فِي حَالِ شَكِّهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَتَرَدُّدِهِمْ) [تفسير ابن كثير، 1/189، دار طيبة]

(فقال جمهور المفسِّرين: مَثَّلَ اللَّه تعالى القُرْآنَ بالصَّيِّبِ، فما فيه من الإشكال عليهم والعمى هو الظلماتُ، وما فيه من الوعيدِ والزجْرِ هو الرعْدُ، وما فيه من النُّور والحُجَج الباهرة هو البَرْقُ، وتخوُّفهم ورَوْعُهُمْ وحَذَرُهم هو جَعْلُ أصابعهم في آذانهم، وفَضْحُ نفاقهم، واشتهارُ كفرهم، وتكاليفُ الشرع التي يكرهونها من الجهادِ والزكاةِ ونحوه هي الصواعقُ، وهذا كله صحيحٌ بيِّن) [الجواهر الحسان للثعالبي، 1/193، دار إحياء التراث، مؤسسة التاريخ العربي]

ووردت الخلوات الخاصة بالمنافقين في القرآن الكريم على ثلاث حالات أرجو التمعن فيها ومحاولة الربط بينها:

وقبل الحديث عن الخلوات أود أن أبين أن أحوال المنافقين التي لا نستطيع أن نطلع عليها، يبينها الله لنا بكرمه وتفضله، فيقدم لنا جلّ وعلا وصفاً دقيقاً لأحوالهم ومؤامراتهم وخلواتهم، وذلك لنحسن الحذر منهم، ولنكون أقدر على التعامل معهم من أجل معالجتهم، وأقرب مثال عملي أحب أن أذكره هنا هو حالة الطبيب الحاذق الذي لا يقبل أن يباشر تشخيص حالة مريضه إلا بعد أن يعرف عنه كل شيء وبعد أن يقرأ ملفه الطبي، ويطالع كل تحليلاته، وقد يسأله عشرات الأسئلة قبل أن يباشر تشخيص حالته، وقد يسأل أقاربه عنه -طبعاً فيما يفيده كطبيب- ثم يبدأ بالتعامل معه من أجل علاجه، والأصل في المسلمين أن يكونوا ذلك الطبيب الحاذق، إلا أننا ونحن نتعامل مع هؤلاء المرضى، فإننا نختلف عن الطبيب بشيء مهم جداً وهو أن ملف المريض وحالته الشخصية وتاريخه النفسي وكل ما يتعلق به، قد قدمه لنا الله تعالى في آيات وأحاديث ومواقف وبعدة صور، وهذا يسهل علينا مهمة الحذر والمعالجة عسى الله أن يهدي هؤلاء فيدخلوا في فسطاط الإيمان.

وأعود إلى الخلوات الثلاث:

الخَلوة الأولى: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} [البقرة: 14] وهنا تصور لنا الآية حالة اجتماعهم مع سادتهم، وقد تعجبوا منهم كيف أتقنوا الدور في إظهار الإسلام، فهم كالممثلين الذين يؤدون أدوارهم على المسرح، ولأنهم قد أجادوا التمثيل فإنك لا تثق بهم في الحياة العادية خارج المسرح، فلو رأيت ممثلاً يبكي على موقف في الحياة الطبيعية، فإنك تكون في شك من بكائه، لأنك تعلم أنه يتقنه، والمنافقون على هذه الحال، فهم أتقنوا التمثيل على المؤمنين إذا لقوهم، مما حدا بقادتهم أن يظنوا أنهم بالفعل قد آمنوا، وهنا يأتي الاستفسار في الخلوات، فهم -المنافقون- يطمئنون قادتهم بأنهم على العهد باقون، لم يغيروا ولم يبدلوا، وكل ما فعلوه في الخارج هو التمثيل الذي يعد في حقيقته استهزاء.

وقد يقال لم قال الله تعالى: {خلوا إلى شياطينهم} وليس خلوا بشياطينهم، وأترك الإجابة لابن عاشور وهو من عمالقة لغتنا الحبيبة ليجيب بقوله: (وقَدْ عُدِّيَ هُنا بِإلى لِيُشِيرَ إلى أنَّ الخَلْوَةَ كانَتْ في مَواضِعَ هي مَآبَهم ومَرْجِعَهم، وأنَّ لِقاءَهم لِلْمُؤْمِنِينَ إنَّما هو صُدْفَةٌ ولَمَحاتٌ قَلِيلَةٌ، أفادَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ {لَقُوا} و {خَلَوْا}. وهَذا مِن بَدِيعِ فَصاحَةِ الكَلِماتِ وصَراحَتِها) [المرجع السابق، ص 291]

الخلوة الثانية: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 75-76] وهذه صورة أخرى من اجتماع المنافقين في المجالس الخاصة بهم، ولكنهم هنا في هذه الصورة يهود -أو بعض يهود- أعلنوا إسلامهم ولكن تحولوا إلى منافقين، ويهمنا هذا كثيراً في إدراك حقيقة خطيرة وهي اشتراك بعض اليهود مع المشركين في إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، وفي هذه الحالة من الاختلاء ببعضهم، تجدهم وقد خلوا إلى بعضهم لا إلى شياطينهم وقادتهم، بدليل أنهم كلهم في هذه الخلوة قد واجهوا المؤمنين، ولكنها خلوة تذاكر وتنبيه ومحاسبة على الأخطاء، فينبه بعضهم بعضاً إلى عدم تقمص الشخصية التمثيلية إلى درجة تقديم ما يدمر الخطة ويمنع تحقق الهدف، ذلك أن بعض هؤلاء اليهود الذين نافقوا كانوا إذا التقى الواحد منهم بالمؤمنين مظهراً لهم الإيمان، وهم يعرفون بالطبع أنه كان يهودياً، فإنه يبدأ من أجل أن يتقن الدور بإظهار ما يعرفه كيهودي من ديانته السابقة، فيكلمهم بقصص وحجج كصدق نبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينسى بذلك أنه يزرع في جسده عرى كثيرة يمكن أن يمسكها المسلمون فتكون هذه العرى حجة عليه، فينقلب السحر على الساحر كما يقولون.

الخلوة الثالثة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 118-119] وفي هذه الصورة لا نستطيع أن نجزم بماهية هؤلاء، ولكن نستطيع أن نؤكد أنهم من الكفار سواء كانوا مشركين أو يهود أو نصارى. ولأبي حيان رأي في معنى الخلوة هنا: (أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ وانْفَرَدُوا دُونَكم. والمَعْنى: خَلَتْ مَجالِسُهم مِنكم، فَأسْنَدَ الخُلُوَّ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ) [البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، 3/64، دار الكتب العلمية]

فالخلوة الأولى تأكيد على العهد، والثانية: محاسبة وتوجيهات، والثالثة: الحالة النفسية لهم إذا اختلوا بأنفسهم وهي الفرصة التي يعبرون فيها عن مشاعر المقت والحقد التي لا يستطيعون إظهارها أمام المؤمنين كي لا تفضحهم، كمثل الرجل الذي يغضب ولا يستطيع أن يظهر غضبه، فيختلي بمكان ما لمجرد أن يصرخ بأعلى صوته من أجل أن ينفس قليلاً عن غضبه بحيث لا يراه الآخرون، وعضّ الأصابع من الغيظ صورة من إظهار مكنون النفس، وما أجمل ما قاله ابن عاشور: (وعَضُّ الأنامِلِ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَيْظِ والتَّحَسُّرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَضَّ أنامِلَ مَحْسُوسًا، ولَكِنْ كُنِّيَ بِهِ عَنْ لازَمِهِ في المُتَعارَفِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا اضْطَرَبَ باطِنُهُ مِنَ الِانْفِعالِ صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ تُناسِبُ ذَلِكَ الانْفِعالَ، فَقَدْ تَكُونُ مُعِينَةً عَلى دَفْعِ انْفِعالِهِ كَقَتْلِ عَدُوِّهِ، وفي ضِدِّهِ تَقْبِيلُ مَن يُحِبُّهُ، وقَدْ تَكُونُ قاصِرَةً عَلَيْهِ يَشْفِي بِها بَعْضَ انْفِعالِهِ، كَتَخَبُّطِ الصَّبِيِّ في الأرْضِ إذا غَضِبَ، وضَرْبِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ مِنَ الغَضَبِ، وعَضِّهِ أصابِعَهُ مِنَ الغَيْظِ، وقَرْعِهِ سِنَّهُ مِنَ النَّدَمِ، وضَرْبِ الكَفِّ بِالكَفِّ مِنَ التَّحَسُّرِ، ومِن ذَلِكَ التَّأوُّهُ والصِّياحُ ونَحْوُها، وهي ضُرُوبٌ مِن عَلاماتِ الجَزَعِ، وبَعْضُها جِبِلِّيٌّ كالصِّياحِ، وبَعْضُها عادِيٌّ يُتَعارَفُهُ النّاسُ ويَكْثُرُ بَيْنَهم، فَيَصِيرُونَ يَفْعَلُونَهُ بِدُونِ تَأمُّلٍ، وقالَ الحارِثُ بْنُ ظالِمٍ المُرِّيُّ:

فَأقْبَلَ أقْوامٌ لِئامٌ أذِلَّةٌ ،،،،، يَعَضُّونَ مِن غَيْظٍ رُءُوسَ الأباهِمِ) [التحرير والتنوير، 4/66]

وإلى هنا نكون قد انتهينا من المنافقين في هذه السورة نسبياً، ولن ننتهي منهم عملياً فهم أعداؤنا ما حيينا، وسنعود إلى الحديث عنهم فيما بعد، وسنبدأ غداً إن يسر المولى عز وجل بالاستفادة من سورة البقرة في مواضيع أخرى، عسى أن ينفعنا الله وينفع بنا، ويجعلنا وإياكم من جنوده المنافحين عن دينه.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.