المنصفون

المنصفون لا يتأخرون ولا يترددون عند سماعهم آيات الله تعالى، أن يدركوا أنها ليست من قول بشر، فيقبلوا على الإسلام بقلوب لا تعرف الهوى، أو يقروا على الأقل أنه ليس من كلام البشر.

وأذكر بعض المواقف لننظر كيف أقر أصحابها أن القرآن كلام الله ولا يمكن أن يأتي به بشر:

جاء في الشفا للقاضي عياض:

(أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) فَسَجَدَ وَقَالَ سَجَدْتُ لِفَصَاحَتِهِ.

وَسَمِعَ آخَرُ رَجُلًا يَقْرأُ {فَلَمَّا استيئسوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مَخْلُوقًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ.

وَحُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَابِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَوْمًا نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ بِقَائِم -برجل قائم- عَلَى رَأْسِهِ يَتَشَهَّدُ شَهَادَةَ الْحَقّ فاسْتخْبَرَهُ -سأله عن سبب إسلامه- فَأَعْلَمَهُ أنَّهُ من بَطَارِقَةِ الرُّوم مِمَّنْ يُحْسِنُ كَلَامَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا وَأنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا من أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَقْرَأُ آيَةً من كِتَابِكُمْ فَتَأَمَّلْتُهَا فَإِذَا قَدْ جُمِعَ فِيهَا مَا أَنْزَلَ اللَّه على عيسى ابن مَرْيَمَ من أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ {وَمَنْ يُطِعِ الله ورسوله ويخش الله ويتقه} : {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]

وَحَكى الْأَصْمَعِيُّ أنَّهُ سَمِعَ كَلَامَ جَارِيَةٍ فقال لَهَا: قَاتَلَكِ اللَّه مَا أَفْصَحَكِ؟ فَقَالَتْ: أَوَ يُعَدُّ هَذَا فَصَاحَةً بَعْدَ قول اللَّه تَعَالَى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] فَجَمَع فِي آية وَاحِدةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ وَنَهْيَينِ وَخَبَرَيْنِ وَبِشَارَتَيْنِ) [الشفا للقاضي عياض] الأمران: أرضعيه، فألقيه. النهيان: ولا تخافي، ولا تحزني. الخبران: وأوحينا، فإذا خفت لأنه يشعر بأنها ستخاف، والبشارتان: إنا رادوه، وجاعلوه.

وكل من طالع في القرآن الكريم، وتدبر آياته وهو منصف يبحث عن الحق، وليس صاحب هوى يتصيد لهواه ما يشتهيه؛ فإنه سيدرك بعقله السليم أن القرآن كلام الله تعالى، ولا يمكن لأي بشر أن يأتي بمثله، ولا يقتصر هذا على أهل اللغة الذين نزل القرآن بلسانهم، بل يشمل كل البشر لأنه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم لكل البشر، فكل من قرأ ونظر وتدبر، فإنه سيتوصل إلى هذه النتيجة بشكل طبيعي، وهو على كل حال ليس بحاجة أن يقرأ القرآن كله، إذ يكفيه أن يتدبر بعضاً منه، لأنه إن توصل إلى أن هذا البعض ليس من كلام البشر فإن هذا ينسحب على الباقي كله، لأن القرآن الكريم جاءنا كاملاً غير منقوص بالطريقة التي يقطع كل عقل بتواترها وعدم التواطيء على الكذب وعدم وجود الارتياب فيها.

وعلى سبيل المثال، فهذه مجموعة من غير المسلمين من أبناء العصر الحديث، نظروا في كتاب الله تعالى وفي بعض آياته، وبعضهم نظر في ترجمته، فتوصلوا إلى أنه ليس من كلام البشر، وقد أسلم بعضهم ولم يسلم البعض الآخر.

جبر بن ميخائيل ضومط ولد في صافيتا حارة الضهر 1859م وتوفي عام 1930 عام، تلقى تعليمه حيث انتقل بعدها إلى لبنان حيث التحق بالكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية) ثم تخرج عام 1876م يحمل شهادة بكالوريوس علوم في الآداب. درس في بيروت اللغات السامية كالسريانية والعبرانية والكلدانية واشتغل مدرساً في نفس الكلية وضع كتاب (الخواطر في اللغة) ثم كتاب (الخواطر الحسان في المعاني والبيان) ثم كتاب (الخواطر العراب في النحو والإعراب) ثم كتاب (خطاب في اللغة) وكان قد انتخب عضواً مراسلاً في المجمع العلمي العربي بدمشق -أي أوائل أيام إنشاء المجمع الذي يعرف الآن باسم مجمع اللغة العربية.

من أقواله: (فإن الكتب الموضوعة قديماً في هذين الفنين -المعاني والبيان- ولا سيما المعاني على جلالة قدرها ونفاسة ما حوته إنما وضعها أولئك الفضلاء ليستعين بها غيرهم من العلماء على فهم ما في القرآن من مواقع الفصاحة والبلاغة التي بلغت حد الإعجاز) [مقدمة كتابه الخواطر الحسان في المعاني والبيان، مطبعة التأليف بالفجالة بمصر 1896م]

نصري سلهب (1921-2007م)

(إن الآية التي استطيب ذكرها هي التي تنبع سماحاً إذ تقول: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] ذلك ما يقوله المسلمون للمسيحيين وما يؤمنون به لأنه كلام الله إليهم. إنها لعبارات يجدر بنا جميعاً، مسيحيين ومسلمين، أن نرددها كل يوم، فهي حجر الأساس في بناءٍ نريده أن يتعالى حتى السماء، لأنه البناء الذي فيه نلتقي والذي فيه نلقى الله: فحيث تكون المحبة يكون الله، والواقع أن القرآن يذكر صراحة أن الكتب المُنزّلة واحدة، وأن أصلها عند الله)

(إن الاسلام ليس بحاجة إلى قلمنا، مهما بلغ من البلاغة. ولكن قلمنا بحاجة إلى الاسلام، إلى ما ينطوي عليه من ثروة روحية واخلاقية، إلى قرآنه الرائع الذي بوسعنا أن نتعلم منه الكثير) ويقول: (لم يقدر لأي سفر، قبل الطباعة، أيا كان نوعه وأهميته، أن يحظى بما حظى به القرآن من عناية واهتمام، وأن يتوفّر له ما توفّر للقرآن من وسائل حفظته من الضياع والتحريف، وصانته عما يمكن أن يشوب الأسفار عادة من شوائب تلك اللغة التي أرادها الله قمة اللغات، كان القرآن قمتها، فهو قمة القمم، ذلك بأنه كلام الله) [محمد مشتهى الأمم، محمد القوصي، والنقل من كتاب لقاء المسيحية والإسلام لسلهب نفسه وهو مسيحي من لبنان، من مؤلفاته لقاء المسيحية والإسلام، وفي خطى محمد، تميز بنظرته الموضوعية وتحريه للحقيقة المجردة كما يحكي عنه من عرفوه]

د. جورج حنا:

(على أنه لابدّ من الإقرار بأن القرآن، فضلاً عن كونه كتاب دين وتشريع، فهو أيضاً كتاب لغة عربية فصحى. وللغة القرآن الفضل الكبير في ازدهار اللغة، ولطالما يعود إليه أئمة اللغة، في بلاغة الكلمة وبيانها، سواء كان هؤلاء الأئمة مسلمين أم مسيحيين. وإذا كان المسلمون يعتبرون أن صوابية لغة القرآن هي نتيجة محتومة لكون القرآن منزلاً ولا تحتمل التخطئة، فالمسيحيون يعترفون أيضاً بهذه الصوابية، بقطع النظر عن كونه منزلاً أو موضوعاً، ويرجعون إليه للاستشهاد بلغته الصحيحة، كلما استعصى عليهم أمر من أمور اللغة) [قصة الإنسان، جورج حنا، ص 79-80، دار العلم للملايين، وهو طبيب وسياسي لبناني]

نقولا حنا (1923-1999م) ولد في عكا، وتوفي في دمشق. وبعد وقوع النكبة (1948) هاجر مع أسرته إلى سورية وفي دمشق تابع دراسته فحصل على الثانوية العامة (1951) مما أهله لأن يلتحق بقسم اللغة العربية في كلية الآداب ويتخرج فيه محرزًا شهادته، ثم التحق بقسم اللغة الإنجليزية وحصل منه على إجازة في الأدب الإنجليزي. عمل في سلك التعليم ربع قرن.

له شعر ديني يتخذ متجهًا إسلاميًا صرفًا في ذلك قصيدته من وحي القرآن الكريم وقصيدتيه أسماء الله الحسنى والمولد النبوي الشريف وقد مزج ذلك بمديح النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

(كذلك الأديب الشاعر المعاصر نقولا حنا قد تلا القرآن، فجذبه إليه وشغل قلبه وفؤاده، وزاده إيماناً بالله على إيمانه، وقذف في أعماق فكره وضميره يقينا راسخا بأن القرآن هو كتاب الله المعجز العزيز وأنه يسمو على سائر معجزات الأنبياء، فهو معجزة إلهية خالدة تبرهن بنفسها على نفسها. وأعلن ذلك في قصيدة من روائع الشعر، عنون لها بهذا العنوان «من وحي القرآن» وقال في مقدمة هذه القصيدة:

قرأت القرآن فأذهلني وتعمقت به ففتنني، ثم أعدت القراءة فآمنت، أمنت بالقرآن الإلهي العظيم، وبالرسول من حمله، النبي العربي الكريم، أما الله فمن نصرانيتي ورثت إيماني به، وبالفرقان عظم هذا الإيمان ….. وكيف لا أومن ومعجزة القرآن بين يدي أنظرها وأحسها كل حين، هي معجزة لا كبقية المعجزات، معجزة إلهية خالدة تدل بنفسها عن نفسها، وليست بحاجة لمن يحدث عنها أو يبشر بها.

وكم احتاجت وتحتاج الأديان السابقة إلى علماء ومبشرين وشواهد وحجج وبراهين لحض الخلق على اعتناقها، إذ ليس لديها ما هو منظور محسوس يثبت أصولها في القلوب، أما الإسلام فقد غني عن كل ذلك بالقرآن، فهو أعلم معلم وأهدى مبشر، وهو أصدق شاهداً وأبلغ حجة وأدمغ برهاناً، هو المعجزة الخالدة خلود الواحد الأزلي، المنظورة المحسوسة في كل زمان، ومن إيماني العميق هذا استلهمت قصيدتي هذه

ويقول في قصيدته:

يقولون ما آياته، ضل سعيهم ،،،، وآياته -ليست تُعد- عظام

كفى معجزُ الفرقان للناس آية ،،،، علا وسما كالنجم ليس يُرام

فكل بليغ ظل عنده صامتاً ،،،، كأن على الأفواه صُرَّ كِمام

وشاء إله العرش بالناس رحمة ،،،، وأن يتلاشى حقدهم وخصام

ففرق ما بين الضلالة والهدى ،،،، بفرقان نور لم يشبْه قَتام

[علوم القرآن، د. نور الدين عتر، ص 202، مطبعة الصباح، دمشق، الكمام: ما يكم به فم البعير لئلا يأكل أو يعض، قتام: غبار]

فهذه بعض النماذج من الذين طالعوا في كتاب الله تعالى فأقروا بأنه ليس كلام البشر، وأنه معجز بأسلوب نظمه وببيانه وبلاغته، ومنهم من أسلم ومنهم من لم يسلم. إلا أن المشترك فيما بينهم هو الانبهار بكلام الله تعالى، ما يقطع بترسيخ القناعة العملية بأنه ليس من البشر، مهما تغير الناس ومهما تعاقبت الأزمان.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.