محاولات فاشلة

تحدثنا بالأمس عن المنصفين، واليوم سنتحدث عن الفاشلين الذين حاولوا أن يحاكوا كتاب الله تعالى، فوقعوا في وحل السخافة، إذ صاروا أضحوكة للناس، مع أنك لا تجد فيهم إلا أهل اللغة والشعر والأدب والفصاحة والبيان، ولكن هذا من عجائب كتاب الله تعالى، ما إن يفكر الأديب الشاعر أن يأتي بمثله إلا وأتى بأسْفهِ الكلام وأسخفه.

مسيلمة الكذاب:

ولم يحاول أن يأتي بمثل القرآن من باب التحدي، بل كان يؤلف الكلام ويزعم أنه وحي من الله تعالى كالقرآن الذي أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مع ملاحظة أنه من أهل اللغة:

(لما قَدِمَتْ وُفُودُ بَنِي حَنِيفَةَ عَلَى الصِّديق قَالَ لَهُمْ: أسمعونا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا بدَّ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا:

كَانَ يَقُولُ: يَا ضِفْدَع بنت الضِّفدعين نقِّي كم تنقِّين، لَا الْمَاءَ تكدِّرين وَلَا الشَّارب تَمْنَعِينْ، رَأْسُكِ فِي الْمَاءِ، وَذَنَبُكِ فِي الطِّين.

وَكَانَ يَقُولُ: والمبذِّرات زَرْعًا، وَالْحَاصِدَاتِ حَصْدًا، والذَّاريات قَمْحًا، والطَّاحنات طِحْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، والثَّاردات ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، لَقَدْ فضِّلتم عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَمَا سَبَقَكُمْ أَهْلُ الْمَدَرِ، رَفِيقَكُمْ فَامْنَعُوهُ، وَالْمُعْتَرَّ فآووه، والباغي فناوئوه.

وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ مِنْ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي يَأْنَفُ مِنْ قَوْلِهَا الصِّبيان وَهُمْ يَلْعَبُونَ، فَيُقَالُ: إنَّ الصِّديق قَالَ لَهُمْ: وَيَحَكُمُ، أَيْنَ كَانَ يُذْهَبُ بقولكم؟ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلٍّ.

وَكَانَ يَقُولُ: وَالْفِيلْ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلْ، لَهُ زلُّوم طَوِيلْ.

وَكَانَ يَقُولُ: واللَّيل الدَّامس، والذِّئب الْهَامِسْ، مَا قَطَعَتْ أَسَدٌ مِنْ رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ.

وتقدَّم قَوْلُهُ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بين صفاق وحشا، وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ السَّخيف الرَّكيك الْبَارِدِ السَّميج. وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ الْمُتَنَبِّئِينَ كَمُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ وَالْأَسْوَدِ وَسَجَاحِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وَعُقُولِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ عَلَى ضَلَالِهِمْ وَمِحَالِهِمْ.

وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أيَّام جَاهِلِيَّتِهِ، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: مَاذَا أُنْزِلَ عَلَى صَاحِبِكُمْ فِي هَذَا الْحِينِ؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةٌ وَجِيزَةٌ بَلِيغَةٌ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ (وَالْعَصْرِ إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحات وَتَوَاصَوْا بالحقِّ وتواصوا بالصَّبر) قَالَ: ففكَّر مُسَيْلِمَةُ سَاعَةً ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: وَلَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ مِثْلُهَا، فَقَالَ لَهُ عمرو: وما هو؟ فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ: يَا وَبَرُ يَا وَبَرُ، إنَّما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر نَقْرٌ.

ثمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى يَا عَمْرُو؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: وَاللَّهِ إنَّك لَتَعْلَمُ أنِّي أعلم أنَّك تكذب) [البداية والنهاية لابن كثير، 9/473، طبعة هجر، لم يخرج من إلّ: أي من ربوبية، وقيل الإل هو الأصل الجيد، أي لم يجيء من الأصل الذي جاء منه القرآن] ولا ينقص مسيلمة التعبير، ولا يعوزه البيان فهو من أهل اللغة ولا شك، ولكن هذا من عجائب كتاب الله تعالى، إذ لو تكلم مسيلمة بكلامه العادي لكانت له قيمة بلاغية، أما وقد حاول أن يأتي بمثل كلام الله تعالى ويزعم بأنه وحي، فإنها قاصمة الظهر التي أظهرت كلامه بهذا السخف والركاكة.

وكذلك سجاح فقد ادعت النبوة وفيما قالت: (عَلَيْكُمْ بَالْيَمَامَهْ، دفُّوا دَفِيفَ الْحَمَامَهْ، فإنَّها غَزْوَةٌ صَرَّامَهْ، لَا تلحقكم بعدها ملامة) [المرجع السابق، وقد أسلمت وحسن إسلامها]

وانظروا إلى هذا الكلام: (وَالنَّجْمِ السَّيَّارِ، وَالْفَلَكِ الدَّوَّارِ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، إِنَّ الْكَافِرَ لَفِي أَخْطَارٍ، امْضِ عَلَى سُنَّتِكِ وَاقْفُ أَثَرَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَامِعٌ بِكَ مَنْ أَلْحَدَ فِي دِينِهِ، وَضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ)

هل تصدقون أن قائل هذا الكلام هو الذي قال:

إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ ،،،، فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ

فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ ،،،، كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ

[ديوان المتنبي، ص 232، دار بيروت للطباعة والنشر]

وأقتطف لكم بعضاً من شعره الجميل الخالد:

يَا أَعْدلَ النَّاسِ إلاَّ في مُعَامَلتي ،،،، فِيكَ الخِصَامُ وَأَنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ

أَنَا الذي نَظَر الأَعْمَى إلى أَدَبي ،،،، وَأَسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بِهِ صَمَمُ

أَنَامُ مِلَء جُفُوني عن شَوارِدِها ،،،، وَيَسْهَر الخلقُ جَرَّاها وَيَخْتَصمُ

إذا رأيت نيوب الليثِ بارزةً ،،،، فلا يغُرنّك أَنَّ اللَّيْثَ مُبْتَسُم

فَالخْيَلُ واللَّيْلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُني ،،،، والحَرْبُ والضَّرْبُ والقِرَطاسُ والقَلمُ

يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَينا أَنْ نُفَارقَهُمْ ،،،، وِجْدَانُنَا كُلَّ شَيء بَعْدكمُ عَدمُ

إذا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَروا ،،،، ألاَّ تُفَارِقَهُمْ فالرَّاحِلُونَ هُمْ

شَرُّ البِلادِ مكانُ لا صَديقَ بِهِ ،،،، وَشَرُّ ما يَكْسِبُ الإنْسانُ ما يَصِمُ

[شرح شعر المتنبي لابن الأفليلي، السفر الأول، الجزء الثاني 46-55، مؤسسة الرسالة]

وقد شنع عليه ابن كثير كثيراً إلا أنه أنصفه في آخر كلامه، فهو يقول: (وَقَدْ كَانَ الْمُتَنَبِّي جُعْفِيَّ النَّسَبِ، صُلْبُهُ مِنْهُمْ، وَقَدِ ادَّعَى حِينَ كَانَ مَعَ بَنِي كَلْبٍ بِأَرْضِ السَّمَاوَةِ قَرِيبًا مِنْ حِمْصَ أَنَّهُ عَلَوِيٌّ ثُمَّ حَسَنِيُّ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَاتَّبَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ جَهَلَتِهِمْ وَسَفِلَتِهِمُ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، فَمِنْ ذَلِكَ: وَالنَّجْمِ السَّيَّارِ … تقدم.

وَهَذَا مِنْ خِذْلَانِهِ، وَكَثْرَةِ هَذَيَانِهِ فِي قُرْآنِهِ، وَلَوْ لَزِمَ قَافِيَةَ مَدْحِهِ، وَالْهِجَاءِ لَكَانَ أَشْعَرَ الشُّعَرَاءِ وَأَفْصَحَ الْفُصَحَاءِ، وَلَكِنْ أَرَادَ بِجَهْلِهِ وَقِلَّةِ عَقْلِهِ أَنْ يَقُولَ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ، لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ.

وَلَمَّا اشْتَهَرَ خَبَرُهُ بِأَرْضِ السَّمَاوَةِ، وَأَنَّهُ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْغَبَاوَةِ، خَرَجَ إِلَيْهِ نَائِبُ حِمْصَ مِنْ جِهَةِ بَنِي الْإِخْشِيدِ وَهُوَ الْأَمِيرُ لُؤْلُؤٌ – بَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَهُ – فَقَاتَلَهُ وَشَرَّدَ شَمْلَهُ، وَأَسَرَهُ وَسَجَنَهُ دَهْرًا طَوِيلًا، فَمَرِضَ فِي السِّجْنِ، وَأَشْرَفَ عَلَى التَّلَفِ، فَاسْتَحْضَرَهُ وَاسْتَتَابَهُ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ كِتَابًا اعْتَرَفَ فِيهِ بِبُطْلَانِ مَا ادَّعَاهُ، وَأَنَّهُ قَدْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَرَجَعَ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَطْلَقَ سَرَاحَهُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا ذُكِّرَ بِهَذَا يَجْحَدُهُ إِنْ أَمْكَنَهُ جَحْدُهُ وَإِلَّا اعْتَذَرَ مِنْهُ وَاسْتَحْيَا، وَقَدِ اشْتُهِرَ بِلَفْظَةٍ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ فِيمَا كَانَ ادَّعَاهُ مِنَ الْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ، وَهِيَ لَفْظَةُ (الْمُتَنَبِّي) الدَّالَّةُ عَلَى الْكَذِبِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَلِلْمُتَنَبِّي دِيوَانٌ مَشْهُورٌ فِي الشِّعْرِ، فِيهِ أَشْعَارٌ رَائِقَةٌ وَمَعَانٍ لَيْسَتْ بِمَسْبُوقَةٍ، بَلْ مُبْتَكَرَةٌ سَابِقَةٌ، وَهُوَ فِي الشُّعَرَاءِ الْمُحْدَثِينَ كَامْرِئِ الْقَيْسِ فِي الشُّعَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ – وَهُوَ عِنْدِي بِخَطِّ يَدِهِ – فِيمَا ذَكَرَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، مَعَ تَقَدُّمِ أَمْرِهِ) [البداية والنهاية، 15/275، دار هجر]

وجاء في المنتظم: (وكان المتنبي إذا شوغب في مجلس سيف الدولة فَذُكر أن له هذا القرآن وأمثاله مما يحكى عنه، فينكره ويجحده. قال: وقال ابن خالويه النحوي يومًا في مجلس سيف الدولة: لولا أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي، لأن «متنبي» معناه: كاذب، ومن رضي أنه يدعى بالكذب فَهُوَ كاذب فهو جاهل، فقال له: أنا لست أرضى أن أدعى به وإنما يدعوني به من يريد الغض مني، ولست أقدر على الامتناع) [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي، 14/164، دار الكتب العلمية]

وللرافعي تحليل جميل، فهو يقول:

(وشاعر الإسلام أبو الطيب المتنبي المتوفى قتيلاً سنة 354 هـ

فقد ادعى النبوة في حدثان أمره، وكان ذلك في بادية السمَّاوة (بين الكوفة والشام) ، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم، وكان يمخرق على الناس بأشياء وصف المعري بعضها في (رسالة الغفران) ، وقيل إنه تلا على البوادي كلاماً زعم أنه قرآناً أنزل عليه يحكمون منه سوراً كثيرة، قال علي بن حامد: نسخت واحدة منها فضاعت مني وبقي في حفظي من أولها: والنجم السيار … تقدم.

ونحن لا نمنع أن يكون للرجل شيء من هذا ومثله، وإن لم يكن في طبقة شعره ولا في وزن ما يؤثر عنه من فصول النثر، كقوله وقد كتب به إلى صديق له في مصر كان يغشاه في علته حين مرض، فلما أبَلّ انقطع عنه فكتب إليه: (وصلتَني – وصلك الله – معتلاً؛ وقطعتني مُبِلاً؛ فإن رأيت أن لا تحببَ العلةَ إليَّ ولا تكدر الصحة على، فعلتَ إن شاء الله) [أبلّ: برأ من مرضه]

فإن هذا وشبهه إنما هو بعض شعره منثوراً، وهي المعاني التي تقع في خواطر الشعراء قبل النظم، وما من شاعر بليغ إلا هو يحسن أن يقول هذا وأحسن منه، وإن كان فيما وراء ذلك من صناعة الترسل ودواوين الكتابة لا يغني قليلاً ولا كثيراً.

ولم يكن المتنبي كاتباً، ولا بصيراً بأساليب الكتابة وصناعتها ووجوهها، ولا هو عربي قُح من فصحاء البادية، وإن كان في حفظ اللغة ما هو؛ فليس يمنع سقوط ذلك الكلام الذي نسبَ إليه من أن تكون نسبته إليه صحيحة لأنه لو أراده في معارضة القرآن ما جاء بأبلغ منه؛ وما المتنبي بأفصح عربية من العنسي ولا مسيلمة، وقد كان في قوم أجلاف من أهل البادية، اجتمعت لهم رخاوة الطباع، واضطراب الألسنة، فلا تعرفهم من صميم الفصحاء بطبيعة أرضهم ولا تعرفهم في زمن الفصاحة الخالصة، لأنهم في القرن الرابع، وإذا كانت حماقات مسيلمة قد جازت على أهل اليمامة والقرآنُ لم يزل غضاً طرياً ونور الوحي مشرق على الأرض بعد، فكيف بالمتنبي في بادية السماوة وقويم من بني كلب! وهل عرف الناس نبياً بغير وحي ولا قرآن) [إعجاز القرآن والبلاغة لمصطفى صادق الرافعي ص 183-184، دار الكتاب العربي، ويذهب الرافعي إلى نفس ما نسب للمعري وابن المقفع في معارضة القرآن]

ونلاحظ أن عتابه على صاحبه لأنه قطعه، عتاب جميل راق، ويدل بالفعل على أن قائله المتنبي، ومعناه لمن أراد أن يفهم المراد منه هو: كنت تصلني عندما كنت مريضاً، أما وقد شفيت فقد قطعتني، فإن أردت أن تجعلني أكره المرض فزرني، وإلا فإنني سأحبه من أجل زيارتك لي، ولاحظوا، لو أننا وضعنا هذا الكلام البليغ بجانب معارضته الوحي: والنجم السيار … الخ، فسنرى الفارق كبير ولن يظن أحد أنها من نفس الشخص.

وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أمر مهم، كي لا نظلم أدباءنا وشعراءنا ومن تلقينا منهم لغتنا:

وهو عدم انتقاص لغة الشعراء والأدباء وغيرهم من أهل العربية، وذلك بمقارنة ما قالوه بالقرآن الكريم، فهذا خطأ محض، صحيح أننا عندما نقرأ القرآن الكريم ونقرأ الحديث الشريف، ونقرأ المعلقات، ونثر العرب، وأشعارهم، التي فاقت كل حدود الإبداع والجمال والفصاحة، صحيح أننا نرى ضعفها أمام كلام الله تعالى، ونرى في كتاب الله تعالى اختلافاً لا يوصف، وهذا طبيعي إذ لا مجال للمقارنة بينها وبين كلام الله تعالى، ولكن يجب ألا ينسحب هذا عليها في كل شأن فننظر إليها بانتقاص.

فلا بد من ملاحظة هذا الأمر بدقة، لئلا يقرأ أحدنا كتاب إعجاز القرآن للباقلاني مثلاً أو غيره من الكتب التي تناولت هذا الأمر، ثم يصرخ قائلاً: يا جماعة، لقد تبين لي أن امرأ القيس لا يعرف شيئاً والمتنبي لا لغة عنده، وكل هؤلاء الشعراء والأدباء لا يساوون شيئاً. وكل هذا لأنه نظر إلى كلامهم من خلال القرآن الكريم.

بل لا بد أن يعطى هذا الأدب من شعر ونثر وغيره حقه، وأن ندرك أنه لولا هذا الموروث العظيم لما عرفنا معنى كلام العرب، ولأصبح كتاب الله تعالى طلاسم وألغازاً، وأننا كلما تمعنا في دراسة أدبهم وما قالوه من كلام في أي موقف وأي حدث، وكلما فهمناه واستوعبنا أسراره، فإننا نكون أقدر على فهم كتاب ربنا جل وعلا. فالمقارنة تكون بين كلام البشر، أما مع كلام الله تعالى فلا.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

جزاك الله خيرا

أليس من الملفت أن المحاولات هذه لمحاكات القرآن الكريم لم تأت في قريش قبل الهجرة عندما تحداهم الرسول صلى الله عليه وسلم وخاصة من شعرائها الكبار مثل بنُ الزِّبَعْرَي وهبيرة بن أبي وهب وغيرهم من شعراء مكة ؟

أظن الجواب أن سادة قريش اجتمعوا مع ابن المغيرة لكي يفسر ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم وفسره اقبح تفسير عندما قال سحر البيان .

واجتمعوا لكي يقتلوا الرسول قبل الهجرة …

ولكنهم لم يجتمعوا ويدعوا شعراء العرب لكي يأتوا بمثل هذا القرآن … لماذا؟

لسبب وجيه وبسيط … انهم ظنوا ان وصف الرسول بالساحر ممكن ان يصرف الناس عنه او قتله ممكن … ولكن ان يأتوا بنفس هذا القرآن ، هذا الذي لا يمكن لانهم مدركون كل الادراك انه ليس من البشر …

والله أعلم …

تعليق أبوعثمان بتاريخ 8 يونيو، 2018

جزاك الله خيرا على اهتمامك ومشاركتك التي لفتت الانتباه إلى أمر مهم وهو: لماذا لم يحاول مشركوا مكة وهم أهل اللغة والذين نزل القرآن لهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن وقد نزلت الآيات تتحداهم إلى هذا
وجزاك الله خيراً أيضا فقد لفت الانتباه إلى الإجابة بإجابتك، وهم لم يحاولوا ذلك ولم يرد ذلك عنهم لأنهم أدركوا من أول وهلة أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثله.
جاء في السيرة فيما رواه ابن اسحق وصرح بالسماع عن الزهري: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ، حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ، فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا.
فَجَمَعَهُمْ الطَّرِيقُ، فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ، عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمْ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ أَلَا نَعُودَ: فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا.
وهذا يدل على مدى انبهارهم بكلام الله تعالى، ومدى حرصهم على أن يستمعوا إليه، ولكن الكبر والحسد وغير ذلك مما تعرف، منعهم من الإيمان واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام
وجاء فيما رواه أيضاً (ذَهَابُ الْأَخْنَسِ إلَى أَبِي جَهْلٍ يَسْأَلُهُ عَنْ مَعْنَى مَا سَمِعَ:
قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ:
يَا أَبَا الْحَكَمِ، مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: مَاذَا سَمِعْتُ، تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ، أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا، حَتَّى إذَا تَجَاذَيْنَا عَلَى الرَّكْبِ، وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ، وَاَللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ وَتَرَكَهُ.
ولذلك فإني أؤكد على ما أشرت إليه في تعليقك، وهو أنهم اختاروا سحر البيان ليصفوا به هذا القرآن، ورأوا أنه أفضل من محاولة الإتيان بمثله لأنها ستكون فاشلة، وأفضل كذلك من أي محاولات لصرف الناس عنه.
وجزاك الله خيراً، فقد سعدت بتعليقك وإضافتك

تعليق مدونة وارثون بتاريخ 9 يونيو، 2018

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.