لا تحقّروا خلق الله تعالى

قال الشاعر: لَا تحقرنَّ صَغِيراً فِي مخاصمةٍ ،،،، إِن الْبَعُوضَة تدمى مقلة الْأسدِ

يقول الله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26]

أما ذكر البعوضة فقد جاء في الروايات كما ذكر الطبري وغيره أن المنافقين بعد أن ذكر الله المثَلين في أول سورة البقرة، قالوا: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، وجاء في روايات أخرى أن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟.

والصحيح أن المخلوق قد يستهين بمخلوق آخر لأنه أصغر حجماً منه فيراه حقيراً، أو لأنه لا يرى منه فائدة، أو لأنه مضرّ وغير ذلك من الأسباب. وما ذلك إلا لأنه لم يخلقه، أما الخالق فهو يعلم قدر ما خلقه مهما كان صغيراً في نظر المخلوقات الأخرى، قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57] روي عن الإمام أحمد أنه سئل عن الخلق فقال: (هَاهُنَا حِصْنٌ حَصِينٌ أَمْلَسُ، لَيْسَ له باب وَلَا مَنْفَذٌ، ظَاهِرُهُ كَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَبَاطِنُهُ كَالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذِ انْصَدَعَ جِدَارُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ حَيَوَانٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ذُو شَكْلٍ حَسَنٍ وَصَوْتٍ مَلِيحٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْبَيْضَةَ) [تفسير ابن كثير، 1/197، دار طيبة] وهذه البيضة مهما تفكر فيها الإنسان وهي متناهية في الكبر والصغر، فإنه لن يعطيها قدرها، لأن الذي يعلم حقيقة قدرها هو خالقها سبحانه وتعالى.

أما البعوضة -موضوع الكلمة- فلننظر في تعريفها أولاً عند العرب لكي نحسن فهم المقصود منها، ولننظر إلى تعريف القدماء لها إذ لا تقدم في المناظير ولا في علم الأحياء والتشريح:

(دويبة. وهو يشبه القراد لكن أرجله خفيفة، ورطوبته ظاهرة ويسمى بالعراق والشأم الجرجس. قال الجوهري: وهو لغة في القرقس، وهو البعوض الصغار، والبعوض على خلقة الفيل إلا أنه أكثر أعضاء من الفيل فإن للفيل أربع أرجل وخرطوماً وذنباً. وله مع هذه الأعضاء رجلان زائدتان، وأربعة أجنحة وخرطوم الفيل مصمت، وخرطومه مجوّف نافذ للجوف، فإذا طعن به جسد الإنسان استقى الدم وقذف به إلى جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم، ولذلك اشتد عضها وقويت على خرق الجلود الغلاظ، ومما ألهمه الله تعالى إنه إذا جلس على عضو من أعضاء الإنسان، لا يزال يتوخى بخرطومه المسام التي يخرج منها العرق، لأنها أرق بشرة من جلدة الإنسان فإذا وجدها وضع خرطومه فيها) [حياة الحيوان للدميري باختصار يسير، 1/116، حيدر آباد – الهند]

وقال العمري: (حيوان على صورة الفيل في غاية الصغر وكل عضو خلق للفيل خلق للبعوض مثله، وزيادة جناحين، والبعوض إذا وقع على شيء فالبصر لا يدركه لصغره، هذا حال جميع بدنه، فكم يكون نسبة رأسه إلى بدنه، وكم تكون نسبة دماغه من رأسه، وخرطومها أدق من الشعر، فتمتص به الدم وهو مجوف وتفعل ذلك مراراً، وقد خلق الله فيها قوة تضرب بها جلد الفيل والجاموس، فهذا الحيوان مع صغره فيه من العجائب كثير، فسبحان من لا يعرف دقائق حكمته غيره) [مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، الحيوان والنبات ص 134-135، مكتبة مدبولي]

وتشبيهم للبعوضة بالفيل بسبب اشتراكهما بالخرطوم، وذلك لتقريب الصورة، وهذان التعريفان لم يكونا إلا بالمشاهدة العينية والله أعلم، حيث لم تكن حينئذ مكبرات أو ميكروسكوبات وغيرها.

أما التعريف العلمي الحديث فأختصره لكم من بعض المصادر:

(حشرة تنقل بعض أسوأ الأمراض، طولها في الغالب نحو ثلاثة إلى ستة مليمترات، ويتكون جسمها من الرأس والصدر والبطن، لها ست أرجل، وجناحان، فمها كالقمع، ويمتد منه خرطوم للأسفل، تستخدمه في اللسع وامتصاص السوائل، والأنثى فقط هي التي تلسع، وبعضها هي التي تهاجم الإنسان والحيوان، وهي في الحقيقة لا تستطيع أن تلسع لأنها لا تستطيع أن تفتح فكيها، ولكن تغرز في جلد فريستها ستة أجزاء شبيهة بالإبر توجد وسط الغليمات، ثم ينساب لعابها داخل الجسم وهو يمنع تجلط الدم، وتتفاوت كميات الدم التي تمتصها وقد تصل إلى أكثر من وزنها مرة ونصف المرة.

هناك حوالي 3300 نوع من البعوض تنتمي إلى 41 جنس، وتضع الأنثى نحو 100-300 بيضة في المرة الواحدة، وقد تضع 3000 بيضة طيلة حياتها) [الموسوعة العربية العالمية، 5/8، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الحشرات الناقلة للأمراض، د. جليل أبو الجب، عالم المعرفة العدد 54

Cambridge University Press Medical Entomology for Students, Third Edition, Mike W. Service

وقد حرصت على الرجوع إلى المصادر العلمية الموثوقة، لأن الإنترنت لا ثقة فيه ويغص بالأكاذيب والإشاعات والوهم على كل صعيد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدين، فمثلاً تجد الكثيرين في الإنترنت تكلموا عن البعوضة وبالغوا في وصفها وغير ذلك مما لا دليل عليه ولا يوجد ما يسنده، وأظن أن ما ذكرناه يعد كافياً لمعرفة هذه الحشرة.

والبعوضة مثال حي على خلق الله تعالى، ولو أنك اخترت أي مخلوق من مخلوقات الله تعالى، صغر أو كبر وبحثت فيه، لوجدت فيه لوحده من أعاجيب الخلق والإبداع والإحسان ما يغني عن غيره من المخلوقات بالاستدلال على عملية الخلق.

أما قوله تعالى: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} فقد وقع كثيرون في اللغط فيه، وبخاصة عندما أشيع في وسائل التواصل الاجتماعي عن اكتشاف مذهل وهو اكتشاف حشرة مجهرية تعيش على رأس البعوضة، وأن هذا من إعجاز القرآن الكريم الذي أخبر عن هذه الحقيقة قبل 1400 سنة.

وبدأ الكل يتداول هذا الموضوع، وللأسف فقد تداوله دكاترة ومختصون وذكروه في كتاباتهم، ولكن للأسف الشديد لم يأت واحد من هؤلاء بمصدر موثوق لهذا الاكتشاف المزعوم، والبينة على من زعم وأخبر، لا أن يأتي بما لا إثبات له ولا مصدر ولا توثيق، ثم يقول للناس ابحثوا عن الحقيقة، وليست البينة على من يتلقى الخبر.

هذا ما ابتلينا به من بعض أبناء المسلمين الجهلة سواء أكانوا ذوي شهادات علمية أم لا، وبعض غير المسلمين الذين يسرهم أن يلقوا بين الفينة والأخرى أكاذيب من هنا وهناك ليتلقفها المسلمون كالحمقى فيرددونها وينشرونها وهم يظنون بذلك أنهم ينصرون دين الله، بينما يستلقي أولئك على ظهورهم من كثرة الضحك على المسلمين الحمقى، حتى إذا ما اكتشف الناس حقيقة الأمر بدأ الشك يتسرب إلى قلوبهم تجاه كتاب ربهم، وهكذا دواليك.

وقد يقول قائل: لا تستعجل فقد تكون المعلومة صحيحة. وأقول: من زعم أنها صحيحة فليأتنا بما يثبت صحتها.

أما فوق فهي (في الكبر والصّغر {مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها} قيل: أشار بقوله فَما فَوْقَها إلى العنكبوت المذكور في الآية، وقيل: معناه ما فوقها في الصّغر، ومن قال: أراد ما دونها فإنما قصد هذا المعنى، وتصوّر بعض أهل اللّغة أنه يعني أنّ فَوْقَ يستعمل بمعنى دون فأخرج ذلك في جملة ما صنّفه من الأضداد، وهذا توهّم منه) [مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني ص 649، دار القلم، ويعني بمن توهم ابن الأنباري فقد اعتبر (فوق) من الأضداد]

وجاء في التحرير والتنوير: (اسْمٌ لِلْمَكانِ المُعْتَلِي عَلى غَيْرِهِ فَهو اسْمٌ مُبْهَمٌ، فَلِذَلِكَ كانَ مُلازِمًا لِلْإضافَةِ لِأنَّهُ تَتَمَيَّزُ جِهَتُهُ بِالِاسْمِ الَّذِي يُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو مِن أسْماءِ الجِهاتِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في المُتَجاوِزِ غَيْرَهُ في صِفَةٍ تَجاوُزًا ظاهِرًا تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الشَّيْءِ المُعْتَلِي عَلى غَيْرِهِ عَلى ما هو مُعْتَلٍ عَلَيْهِ، فَفَوْقَ في مِثْلِهِ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى التَّغَلُّبِ والزِّيادَةِ في صِفَةٍ سَواءٌ كانَتْ مِنَ المَحامِدِ أوْ مِنَ المَذامِّ، يُقالُ: فُلانٌ خَسِيسٌ وفَوْقَ الخَسِيسِ وفُلانٌ شُجاعٌ وفَوْقَ الشُّجاعِ، وتَقُولُ أُعْطِيَ فُلانٌ فَوْقَ حَقِّهِ أيْ زائِدًا عَلى حَقِّهِ. وهو في هَذِهِ الآيَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ أيْ ما هو أشَدُّ مِنَ البَعُوضَةِ في الحَقارَةِ وما هو أكْبَرُ حَجْمًا) [التحرير والتنوير لابن عاشور، 1/362، الدار التونسية للنشر]

والراجح أن فوق لا تعني الالتصاق بالشيء بل الانفصال عنه مثل قوله تعالى: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا} [النبأ: 11] وذلك بخلاف أعلى، فأنت تقول الثمر أعلى الشجرة والسماء فوق الشجرة، ولا تقول الثمر فوق الشجرة والسماء أعلى الشجرة، وقد بين العسكري هذا فقال: (الفرق بين الأعلى وفوق: أن أعلى الشيء منه يقال: هو في أعلى النخلة؛ يراد أنه في نهاية قامتها، وتقول: السماء فوق الأرض، فلا يقتضي ذلك أن تكون السماء من الأرض، وأعلى يقتضي أسفل، وفوق يقتضي تحت، وأسفل الشيء منه، وتحته ليس منه؛ ألا ترى أنه يقال: وضعته تحت الكوز، ولا يقال: وضعته أسفل الكوز بهذا المعنى، ويقال أسفل البئر. ولا يقال تحت البئر) [الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، ص185، دار العلم والثقافة- القاهرة]

أما المؤمنون فإنهم بمجرد تلقيهم المثل من الله تعالى فإنهم يقرون بأنه الحق، سواء عرفوا خبايا البعوضة أم لم يعرفوها، والذين لا يؤمنون ويستهزؤون فلا يزدادون إلا ضلالاً.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.